رمضان في الأمصار

رمضان في فلسطين.. طقوس متجذرة ونكهات أصيلة تجدد روح الصمود

السبت 21 فبراير 2026 - 05:25 م
مصطفى سيد
الأمصار

يحلّ شهر رمضان على فلسطين كل عام محمّلًا بروح خاصة، تتجاوز حدود العبادة إلى فضاء أوسع من التقاليد الاجتماعية والطقوس الشعبية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الفلسطينية.

وفي هذا الشهر، تتبدل ملامح المدن والقرى، وتُضاء الشرفات بالفوانيس، وتمتلئ الشوارع بروائح الأطعمة التقليدية، وتعلو أصوات التكبير من المساجد، في مشهد يجمع بين الإيمان والفرح الشعبي، ويعكس تمسك الفلسطينيين بعاداتهم رغم التحديات اليومية.

القدس.. نبض الشهر وروحه

4411

ويبقى حضور رمضان في القدس مختلفًا في رمزيته ووقعه، إذ تتجه الأنظار إلى المسجد الأقصى الذي يمثل قلب المشهد الرمضاني. 

مع إعلان ثبوت رؤية الهلال، تتعالى التكبيرات من مآذن المدينة، وتزدحم أزقة البلدة القديمة بالمصلين والزائرين، فيما تكتسب ليالي الأقصى طابعًا استثنائيًا مع صلاتي التراويح والقيام.

ورغم القيود التي تعيق وصول كثيرين من خارج المدينة، يحرص الفلسطينيون على شدّ الرحال إلى الأقصى قدر المستطاع، في مشهد يعكس ارتباطًا روحيًا عميقًا بالمكان.

 وتتحول الساحات المحيطة به إلى ملتقى للعائلات بعد الإفطار، حيث تمتزج العبادة باللقاءات الاجتماعية، ويستمر السهر حتى ساعات متأخرة من الليل.

ليلة الرؤية.. فرحة تتجدد كل عام

444521

ليلة إعلان دخول رمضان في فلسطين لها طقوسها الخاصة. يجتمع الأطفال في الحارات مترقبين سماع خبر ثبوت الهلال، وما إن يُعلن رسميًا، حتى تنطلق التكبيرات وتعلو الهتافات المرحبة بالشهر الكريم. 

وتبدأ العائلات فورًا في استكمال استعداداتها؛ فهناك من يعلّق الزينة، ومن يشتري مستلزمات المطبخ، ومن يحرص على إعداد أولى وجبات الإفطار بعناية خاصة.

وتحرص كثير من الأسر على إشراك الأطفال في التحضيرات، سواء عبر تزيين المنازل أو ترتيب مائدة الإفطار، ما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بهذه الطقوس ويجعلها جزءًا من ذاكرتهم الشخصية.

زينة وفوانيس.. ملامح الفرح الشعبي

احتفال الفلسطينيين برمضان

وتتحول الشوارع والأسواق مع بداية رمضان إلى لوحات مضيئة. تتدلى الزينات بين المباني، وتضاء الفوانيس بألوانها المختلفة، في مشهد يعكس حالة من البهجة الجماعية. 

ورغم بساطة الإمكانات في بعض المناطق، فإن الإبداع الشعبي يفرض حضوره؛ إذ يصنع الأطفال زينات يدوية من الورق الملون، وتُعلق الأضواء على الشرفات والأسطح.

وفي الأسواق القديمة، تختلط أصوات الباعة بنداءات الترحيب بالشهر، فيما تتزين واجهات المحال بالعبارات الرمضانية، لتصبح المدينة كلها في حالة احتفاء جماعي.

المسحّر.. ذاكرة الفجر الحيّة

احتفالات رمضان

ومن أبرز العادات المتوارثة في فلسطين خلال رمضان، شخصية المسحّر الذي يجوب الأزقة قبيل أذان الفجر، حاملًا طبلته الصغيرة، مرددًا عبارات شعبية توقظ النائمين للسحور. 

ويحرص المسحّر في كثير من الأحيان على مناداة الأطفال بأسمائهم، ما يضفي طابعًا حميميًا على المشهد.

وهذه العادة، رغم بساطتها، تمثل جزءًا من الذاكرة الجمعية، إذ ينتظرها الصغار بشغف، ويشعر الكبار بالحنين عند سماع صوت الطبل في ساعات السحر. 

وفي نهاية الشهر، يودّع السكان المسحّر بتقديم الهدايا أو المكافآت الرمزية تقديرًا لجهده.

مائدة الإفطار.. عنوان الكرم والتواصل

https://cdnuploads.aa.com.tr/uploads/Contents/2026/02/18/thumbs_b_c_54d0f249d9659f6ef293abdf2f9a53b8.jpg?v=075453

ولرمضان في فلسطين نكهة خاصة على مائدة الإفطار. فما إن يقترب أذان المغرب، حتى تعمّ الحركة في البيوت والأسواق. 

وتتجه العائلات إلى إعداد أطباق تقليدية تعكس تنوع المطبخ الفلسطيني، بينما يتبادل الجيران الأطباق في تقليد يعزز روح الألفة.

وتبرز عادة دعوة كبير العائلة لأبنائه وأحفاده للإفطار في أول أيام الشهر، حيث تجتمع الأسرة الممتدة حول مائدة واحدة. ويعدّ هذا اللقاء مناسبة لتجديد صلة الرحم وتعزيز الروابط بين الأجيال.

كما تنتشر موائد الإفطار الجماعي في المساجد والساحات العامة، حيث يشارك المتطوعون في إعداد الطعام وتوزيعه، في صورة واضحة للتكافل الاجتماعي.

أطباق فلسطينية.. تراث على المائدة

الأكلات الشعبية

ويتميّز المطبخ الفلسطيني في رمضان بتنوع أطباقه واختلافها من منطقة إلى أخرى، مع احتفاظها جميعًا بالطابع التراثي الأصيل. ومن أبرز الأكلات التي تتصدر موائد الإفطار:

المقلوبة: طبق شهير يتكون من الأرز واللحم أو الدجاج مع الخضار كالباذنجان أو القرنبيط، ويُقلب في صحن كبير لحظة التقديم في مشهد ينتظره الجميع.

المسخن: يُحضّر بخبز الطابون وزيت الزيتون والبصل والسماق والدجاج، ويُعد من أكثر الأطباق ارتباطًا بالهوية الفلسطينية.

المنسف: يحضر بقوة في بعض المناطق، خاصة في الضفة الغربية، ويُقدَّم في المناسبات الكبيرة.

المفتول: طبق تقليدي يُصنع من القمح المجروش، ويُطهى مع المرق واللحم.

القدرة الخليلية: أكلة شهيرة تُطهى في قدور نحاسية داخل الأفران التقليدية، وتشتهر بها مدينة الخليل.

ولا تخلو المائدة من الشوربات كـالعدس والفريكة، إضافة إلى السلطات الطازجة، والمخللات، والزيتون، وزيت الزيتون والزعتر، التي تشكل جزءًا ثابتًا من أي إفطار فلسطيني.

القطايف.. نجمة الحلويات بلا منازع

على مائدتك في رمضان.. اعرف أصل حكاية القطايف

وفي رمضان، تتزين الأسواق بأكوام القطايف الطازجة، التي تُعد الحلوى الأبرز في هذا الشهر. تتنوع حشواتها بين الجوز والجبنة والقشدة والفستق الحلبي، فيما يفضل البعض القطايف “العصافيري” الصغيرة التي تقدم دون قلي.

ويتحول إعداد القطايف في المنازل إلى طقس عائلي تشارك فيه الأمهات والبنات، حيث تُحشى وتُقلى وتُزين بالقطر أو السكر الناعم، لتكون خاتمة مثالية لمائدة الإفطار.

“درجات الميدنة”.. تدريب الصغار على الصيام

ومن العادات المتوارثة تشجيع الأطفال على الصيام تدريجيًا فيما يُعرف بـ“درجات الميدنة”، أي الصيام حتى منتصف النهار في البداية، ثم التدرج حتى إتمام اليوم كاملًا. 

ويحتفل الأهل بأول صيام كامل للطفل بهدية رمزية أو إعداد وجبة يحبها، ما يعزز ارتباطه بالشهر الكريم ويزرع في نفسه الشعور بالإنجاز.

التكافل الاجتماعي.. جوهر الشهر الكريم

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/a/ae/Ramadan_decorations._Jerusalem_by_night_054_-_Aug_2011.jpg

رمضان في فلسطين هو شهر التراحم بامتياز. تتكثف المبادرات الخيرية، وتُوزع الطرود الغذائية على الأسر المحتاجة، وتُقام حملات لزيارة المرضى في المستشفيات وتقديم الهدايا لهم. 

كما تحرص العائلات على دعم أسر الشهداء والأسرى، في صورة تعكس وحدة المجتمع وتماسكه.

وتتجلى قيم التكافل أيضًا في تبادل الأطباق بين الجيران، ودعوة المحتاجين إلى موائد الإفطار، وتقديم الصدقات بشكل سري يحفظ كرامة المستفيدين.

ليالي رمضان.. عبادة وسهر اجتماعي

فرحة رمضان

وبعد الإفطار، تتجه العائلات إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح، فيما يفضل البعض قضاء الوقت في جلسات عائلية أو زيارات للأقارب. وتمتلئ المقاهي الشعبية بروادها بعد التراويح، حيث يتبادلون الأحاديث في أجواء رمضانية هادئة.

وتُعد العشر الأواخر من الشهر ذروة النشاط الروحي، إذ يحرص كثيرون على الاعتكاف في المساجد، خاصة في المسجد الأقصى، طلبًا لليلة القدر.

وعلى مدار السنوات، ظل رمضان في فلسطين مناسبة تعزز التمسك بالهوية الثقافية والاجتماعية. فالعادات المتوارثة، والأكلات التقليدية، والطقوس الشعبية، كلها عناصر تشكل جزءًا من الوجدان الجمعي.

ورغم التحديات، يبقى الشهر الكريم مساحة للأمل والتجدد، حيث يثبت الفلسطينيون في كل عام أن رمضان لديهم ليس مجرد موسم ديني، بل ثقافة متجذرة، وذاكرة حية، وروح جماعية تتوارثها الأجيال، وتحافظ عليها بكل اعتزاز.