في ظل تصاعد الخطاب المتبادل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية، وعودة الحديث عن خيارات عسكرية محتملة ضد طهران، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل شبكة الوكلاء الإقليميين المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، وكتائب حزب الله في العراق، وحركة حزب الله النجباء، وكتائب سيد الشهداء، ومنظمة بدر، إضافة إلى جماعة الحوثيون في اليمن.
هذه الفصائل، التي شكّلت لعقود ذراعاً متقدمة للنفوذ الإيراني، تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة بين مقتضيات الالتزام الأيديولوجي بطهران، وضغوط البقاء السياسي والأمني في بيئاتها المحلية.
ثنائية الاحتواء والحصار
منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، عملت الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص فاعلية المحور الإقليمي الداعم لإيران عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على الاحتواء والحصار.
وتمثلت هذه الاستراتيجية في استهداف البنية القيادية والعسكرية للفصائل، بالتوازي مع تضييق مسارات التمويل وسلاسل الإمداد.
في لبنان، تعرض حزب الله لسلسلة من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قيادات ميدانية وبنية تحتية عسكرية، بهدف منع إعادة ترميم ترسانته الصاروخية وقدراته في مجال الطائرات المسيّرة.
وفي اليمن، كثفت واشنطن عملياتها البحرية والجوية لإضعاف قدرات الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، فيما وُجهت ضربات متفرقة لمخازن أسلحة ومواقع إطلاق صواريخ.
هذه المقاربة لا تهدف فقط إلى ردع الفصائل عن الانخراط في مواجهة مفتوحة في حال توجيه ضربة لإيران، بل تسعى أيضاً إلى تقليص أوراق الضغط التي يمكن أن تستخدمها طهران في أي مفاوضات لاحقة.
الضغوط السياسية في الساحات المحلية
تتزامن الضغوط العسكرية مع مسارات سياسية داخلية تضغط على تلك الفصائل. ففي لبنان، يتزايد النقاش حول سلاح حزب الله، وربط ملف إعادة إعمار الجنوب واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من بعض المناطق بتقدم ملموس في مسألة حصر السلاح بيد الدولة.
ويأتي ذلك قبيل انتخابات مفصلية مقررة في مايو 2026، ما يجعل الحزب أكثر حساسية تجاه أي تصعيد قد ينعكس سلباً على قاعدته الشعبية.
أما في العراق، فقد ألقى التدخل الأمريكي في مسار تشكيل الحكومة بظلاله على الفصائل الموالية لإيران.
إذ تصاعدت الدعوات لنزع سلاح المجموعات المسلحة ودمجها في مؤسسات الدولة، في وقت تسعى فيه هذه الفصائل للحفاظ على حضورها السياسي ضمن الإطار التنسيقي، وتجنب أي مواجهة مباشرة قد تعيدها إلى مربع الاستهداف الواسع.
وفي اليمن، ورغم استمرار سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة، فإنهم يواجهون تحديات اقتصادية وإنسانية داخلية، إضافة إلى ضغوط عسكرية محتملة من معسكر الشرعية، ما يجعل قرار الانخراط في تصعيد إقليمي أوسع محفوفاً بالمخاطر.
الضربات الأمنية واستنزاف القدرات
تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة على سياسة الاستنزاف التدريجي لقدرات الوكلاء.
في حالة حزب الله، تشير تقديرات إلى امتلاكه عشرات الآلاف من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إضافة إلى مئات الطائرات المسيّرة الانتحارية، غير أن جزءاً مهماً من قدراته بعيدة المدى تضرر في جولات القتال الأخيرة.
كما تعرضت وحداته العاملة عبر الحدود السورية لضربات أثرت في خطوط الإمداد التقليدية.
وفي العراق، لم تشارك الفصائل بشكل مباشر في جولات التصعيد الأخيرة، لكنها أبقت على خطاب تعبوي، ولوّحت بإمكانية استهداف المصالح الأمريكية في حال تعرضت إيران لضربة.
غير أن هذا التهديد غالباً ما يُصاغ بصيغ تمنح هامشاً للإنكار، مثل استخدام مجموعات واجهة أو خلايا صغيرة لتنفيذ عمليات محدودة.
اختراق سلاسل التوريد وتجفيف الموارد
إلى جانب الضربات الميدانية، برزت جهود لاختراق سلاسل التوريد الخاصة بالفصائل، فعمليات تتبع الشحنات البحرية، ورصد شبكات الاستيراد ذات الاستخدام المزدوج، أدت إلى مصادرة معدات تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة وأنظمة التوجيه. كما سعت واشنطن إلى مراقبة المنافذ الجوية والبرية لمنع إدخال دعم مالي مباشر.
وفي لبنان، فُرضت عقوبات على شبكات مالية مرتبطة بحزب الله، بما في ذلك شركات تعمل في تجارة الذهب، في إطار محاولات الحزب تسييل احتياطياته بعد تراجع موارده نتيجة الحرب.
أما في العراق، فقد تم تضييق وصول بعض الفصائل إلى النظام المالي الرسمي، بما يشمل قيوداً على بطاقات مصرفية يشتبه باستخدامها في تمويل أنشطة مسلحة.
سيناريوهات الانخراط في حال ضرب إيران
في حال توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران، تتباين احتمالات انخراط الوكلاء الإقليميين وفق اعتبارات كل ساحة.
الحوثيون قد يكونون الأكثر استعداداً لتحمل كلفة تصعيد جديد، بالنظر إلى طبيعة سيطرتهم المركزية على القرار العسكري في مناطقهم، وقدرتهم على استهداف خطوط الملاحة أو العمق السعودي والإسرائيلي.
أما حزب الله، فيبدو في وضع أكثر تعقيداً. فبين الضغوط الداخلية، وحجم الخسائر التي تكبدها، والحسابات الانتخابية، قد يختار الاكتفاء بإسناد محدود أو رمزي، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تعرّض لبنان لدمار واسع.
وفي العراق، قد تلجأ الفصائل إلى نمط عمليات منخفض الحدة، مثل استهداف قواعد أو مصالح أمريكية عبر هجمات صاروخية محدودة أو طائرات مسيّرة، مع الحفاظ على مستوى من الغموض يجنّبها مواجهة سياسية مباشرة مع الحكومة أو انقساماً داخلياً.
رغم استمرار التنسيق الأيديولوجي والعسكري بين طهران ووكلائها، فإن السنوات الأخيرة شهدت محاولات من بعض هذه الفصائل لتطوير قدرات تصنيع محلية وتنويع مصادر التمويل، بما يقلل من اعتمادها المباشر على الدعم الإيراني. غير أن هذا الاستقلال النسبي لا يلغي حقيقة ارتباطها الاستراتيجي بإيران، خصوصاً في ما يتعلق بالقرار السياسي في لحظات التصعيد الكبرى.
من جانبها، تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تعزيز سياسة “الفصل” بين هذه المكونات، عبر تكثيف الضغوط المحلية عليها، ودفعها للانشغال بأزماتها الداخلية، بما يقلل من قدرتها على التحرك كجبهة موحدة.
توازن هش بين الردع والانفجار
إجمالاً، يقف وكلاء إيران أمام معادلة دقيقة: الانخراط الكامل في مواجهة دفاعاً عن طهران قد يعرّضهم لخسائر وجودية في ساحاتهم المحلية، فيما قد يُنظر إلى التردد أو الاكتفاء بردود محدودة كإخلال بالالتزام الأيديولوجي. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن أي ضربة لإيران لن تبقى محصورة في جغرافيتها، بل ستفتح مساراً من الردود غير المتكافئة عبر شبكة الوكلاء.
وعليه، فإن تداعيات “ضرب إيران” لن تتوقف عند حدود الرد العسكري المباشر، بل ستمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل لبنان والعراق واليمن، وربما تعيد تعريف علاقة هذه الفصائل بطهران نفسها، بين منطق الوكالة الصارمة ومنطق البقاء المحلي. وفي هذا التوازن الهش، يبقى خطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قائماً، وإن كانت جميع الأطراف تحاول حتى اللحظة إبقاءه تحت سقف الردع المتبادل.