دراسات وأبحاث

نصف تريليون درهم استثمارات.. الإمارات ترسخ موقعها كمحرك عالمي للذكاء الاصطناعي

الجمعة 20 فبراير 2026 - 12:56 ص
مريم عاصم
الإمارات
الإمارات

تسعى دولة الإمارات بخطى متسارعة إلى بناء مستقبل رقمي متكامل قائم على الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك الرئيسي للاقتصاد المعرفي.

وتأتي رؤية دولة الإمارات لملف الذكاء الاصطناعي، في إطار رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تحقيق نمو مستدام، وتعزيز الابتكار، وترسيخ مكانة الدولة كمركز عالمي للتكنولوجيا المتقدمة. 

دولة الإمارات التي نجحت خلال عقود قليلة في بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار، تتجه اليوم نحو مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد المعرفي القائم على البيانات والخوارزميات والبنى الحاسوبية المتقدمة، وأصبحت نموذجاً عالمياً في دمج التقاليد مع التقنيات الحديثة.

وشهد عام 2025 نقطة تحول مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي داخل الدولة، إذ لم تعد المبادرات تقتصر على مشاريع تجريبية أو تطبيقات محدودة، بل تحولت إلى منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية الحاسوبية، والتشريعات الذكية، وتنمية الكفاءات البشرية، والشراكات الدولية، والاستثمارات الضخمة. 

البنية التحتية الحاسوبية

أحد أهم ركائز التحول الرقمي في الإمارات هو الاستثمار المكثف في البنية التحتية للحوسبة المتقدمة، فقد شهدت الدولة إنشاء مجمعات ضخمة للحوسبة الفائقة تعد من الأكبر عالمياً، أبرزها المجمع الإماراتي – الأمريكي في أبوظبي بقدرة تصل إلى 5 غيغاواط، وهو أكبر مجمع للحوسبة المتقدمة خارج الولايات المتحدة.

وتمثل هذه القدرة الحاسوبية أساساً لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة قادرة على خدمة مليارات المستخدمين، إضافة إلى دعم الأبحاث العلمية والتطبيقات الصناعية المتقدمة. كما أُعلن عن مشروع "ستارغيت الإمارات" بقدرة 1 غيغاواط، بالشراكة مع شركات عالمية رائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة السحابية.

ويعتمد المشروع على أحدث المعالجات المتقدمة، ما يجعله مركزاً إقليمياً لمعالجة البيانات وتطوير النماذج اللغوية والتطبيقات الذكية. ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من تشغيل المشروع في عام 2026، الأمر الذي سيعزز مكانة الإمارات كمركز عالمي للبيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا تقتصر هذه الاستثمارات على البنية الحاسوبية فقط، بل تشمل أيضاً تطوير مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل هذه المجمعات، حيث تعتمد على مزيج من الطاقة النووية والشمسية والغاز، بما ينسجم مع أهداف الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية.

الشراكات الدولية

أدركت الإمارات مبكراً أن الذكاء الاصطناعي مجال عابر للحدود، لذلك عملت على بناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية، فقد أطلقت إطار تعاون مع فرنسا يشمل مشاريع في الطاقة المتجددة والرقائق المتقدمة وإنشاء منصات بحثية مشتركة، إضافة إلى الاستثمار في مجمع حوسبة في فرنسا بقدرة غيغاواط واحد.

كما عززت التعاون مع الولايات المتحدة من خلال إنشاء ممر للذكاء الاصطناعي يتيح تدفق أشباه الموصلات المتقدمة إلى الشركات الوطنية. وفي السياق الدولي، أعلنت الإمارات عن مبادرة "الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية" بقيمة مليار دولار لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي في الدول الأفريقية، ما يعكس دورها كقوة تكنولوجية تسهم في تنمية الاقتصادات الناشئة وليس فقط في تطوير اقتصادها المحلي.

كما أطلقت منظومة لدعم الزراعة العالمية باستخدام الذكاء الاصطناعي بالشراكة مع مؤسسة غيتس، بهدف تحسين الإنتاج الغذائي وتعزيز الأمن الغذائي في الدول النامية.

استثمارات ضخمة

بلغت الاستثمارات الموجهة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي في الإمارات خلال عامي 2024 و2025 أكثر من 543 مليار درهم، وهو رقم يعكس حجم الرهان الوطني على الاقتصاد الرقمي. وشملت هذه الاستثمارات مشاريع داخلية ضخمة مثل ستارغيت الإمارات، إضافة إلى استثمارات خارجية بقيمة 180 مليار درهم، ما يؤكد حضور الدولة كلاعب عالمي في سوق التكنولوجيا.

كما جذبت الإمارات استثمارات من شركات عالمية كبرى، منها استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية السحابية، ما يعكس ثقة السوق الدولي في البيئة الرقمية لدولة الإمارات. وتعد هذه الاستثمارات عاملاً أساسياً في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتوفير فرص عمل نوعية، وتعزيز الابتكار المحلي.

تنمية الكفاءات البشرية

لا يمكن لأي تحول رقمي أن ينجح دون الاستثمار في العنصر البشري، وهو ما أدركته الإمارات مبكراً، إذ ارتفع عدد المبرمجين في الدولة ليتجاوز 450 ألف مبرمج، متخطيًا الهدف المحدد سابقاً، ما يعكس نجاح البرامج الوطنية في استقطاب المواهب وتدريب الكفاءات. كما احتلت الدولة مرتبة متقدمة عالمياً من حيث نسبة العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي مقارنة بعدد السكان.

وأطلقت الإمارات عدداً من المبادرات التعليمية، مثل الأكاديمية الرقمية التي توفر محتوى تدريبياً مجانياً، وبرامج تدريبية مكثفة في مجالات التعلم الآلي والتعلم العميق، إضافة إلى مبادرات لتأهيل الموظفين الحكوميين والأئمة والخطباء على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم.

الذكاء الاصطناعي في الحكومة والخدمات العامة

تسعى الإمارات إلى أن تصبح أول حكومة في العالم تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي في تقديم خدماتها بحلول عام 2027، وأطلقت بالفعل أكثر من 200 حل قائم على الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية وتسهيل الإجراءات الحكومية.

ومن أبرز هذه المبادرات المساعد الذكي للموارد البشرية الذي يوفر أكثر من 100 خدمة للموظفين الحكوميين ويوفر آلاف الساعات سنوياً. كما طورت الدولة أول منظومة تشريعية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل القوانين وتقييم أثر التشريعات واقتراح السياسات العامة، ما يمثل نقلة نوعية في عملية صنع القرار.

وأُنشئت بنية سحابية سيادية قادرة على معالجة ملايين التفاعلات الرقمية يومياً بين الجهات الحكومية والمواطنين والمقيمين والشركات، الأمر الذي يعزز جودة الخدمات وسرعة إنجاز المعاملات.