تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بخطوات متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، مدفوعة باستثمارات تجاوزت 543 مليار درهم خلال عامي 2024 و2025، في إطار رؤية استراتيجية طويلة المدى تستهدف بناء اقتصاد معرفي مستدام قائم على البيانات والتقنيات المتقدمة.
وتعكس هذه الاستثمارات الضخمة توجهاً وطنياً شاملاً يجعل الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته عالمياً، حيث لم تعد المبادرات تقتصر على مشاريع تجريبية، بل تحولت إلى منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، والتشريعات الذكية، وتنمية الكفاءات البشرية، والشراكات الدولية.
شهدت دولة الإمارات إنشاء مجمعات متقدمة للحوسبة الفائقة، من أبرزها المجمع الإماراتي – الأمريكي في أبوظبي بقدرة تصل إلى 5 غيغاواط، ليعد من أكبر مجمعات الحوسبة المتقدمة خارج الولايات المتحدة. كما أُعلن عن مشروع «ستارغيت الإمارات» بقدرة 1 غيغاواط، بالشراكة مع شركات عالمية متخصصة في الرقائق والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من تشغيل المشروع خلال عام 2026، ما يعزز موقع الإمارات كمركز إقليمي لمعالجة البيانات وتطوير النماذج اللغوية الضخمة. وتعتمد هذه المجمعات على مزيج من الطاقة الشمسية والنووية والغاز، بما يتماشى مع أهداف الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
وعززت الإمارات تعاونها الدولي عبر إطلاق إطار شراكة مع الجمهورية الفرنسية يشمل مشاريع في الطاقة المتجددة والرقائق المتقدمة، إضافة إلى الاستثمار في مجمع حوسبة بقدرة غيغاواط واحد داخل فرنسا. كما عمّقت شراكتها مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر إنشاء ممر لتدفق أشباه الموصلات المتقدمة إلى الشركات الوطنية.
وفي سياق دعم التنمية العالمية، أطلقت دولة الإمارات مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» بقيمة مليار دولار لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي في الدول الأفريقية، إلى جانب شراكات مع مؤسسات دولية لتحسين الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي باستخدام التقنيات الذكية.

على صعيد تنمية الموارد البشرية، تجاوز عدد المبرمجين في الإمارات 450 ألف مبرمج، في مؤشر واضح على نجاح الاستراتيجيات الوطنية لاستقطاب المواهب وبناء القدرات.
كما أطلقت الدولة برامج تدريبية متخصصة في التعلم الآلي والتعلم العميق، ومبادرات لتأهيل موظفي الحكومة والعاملين في قطاعات مختلفة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتسعى حكومة دولة الإمارات إلى أن تصبح أول حكومة في العالم تعتمد بشكل كامل على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، حيث تم بالفعل إطلاق أكثر من 200 حل ذكي لتحسين كفاءة الخدمات العامة وتسريع الإجراءات.
وفي إطار تعزيز المحتوى العربي، طورت الإمارات نموذج «جيس 2» عبر شركة G42، أحد أكبر النماذج اللغوية العربية مفتوحة المصدر، إضافة إلى إطلاق مؤشرات لقياس توافق تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع الخصوصية الثقافية للمجتمع.
ويمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى تطوير المدن الذكية والنقل، حيث أطلقت إمارة دبي مشروع «دبي لوب» بالتعاون مع شركة The Boring Company الأمريكية، لتطوير نظام نقل سريع يعتمد على أنفاق ذكية ومركبات كهربائية، بما يسهم في تقليل الازدحام وتحسين جودة الحياة.
وتؤكد هذه الخطوات مجتمعة أن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تكتفي بتبني التكنولوجيا، بل تسعى إلى قيادتها عالمياً، عبر استثمارات ضخمة، وبنية تحتية متقدمة، وتشريعات مرنة، ورؤية متكاملة تجعل الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة.