مع تصاعد التحديات الأمنية على المستويات الإقليمية والدولية، أصبح الإنفاق العسكري مؤشرًا حاسمًا على قدرة الدول على حماية مصالحها الوطنية والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي.
وأظهر تقرير حديث للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن أن الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول الأكثر إنفاقًا على جيوشها، بفارق هائل عن الصين وروسيا، في إطار استراتيجيتها للحفاظ على التفوق التكنولوجي والعسكري العالمي.
تصل ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2024 إلى نحو 968 مليار دولار، أي ما يعادل 3.32% من الناتج المحلي الإجمالي. يوضح هذا الرقم الهائل حجم الاستثمارات التي توجهها واشنطن نحو تطوير التكنولوجيا النووية، الطائرات المقاتلة، السفن الحربية، وأنظمة الصواريخ الدقيقة، في محاولة مستمرة للحفاظ على التفوق العسكري المطلق.
تأتي الصين في المرتبة الثانية بميزانية دفاعية تبلغ 235 مليار دولار، ما يعادل 1.29% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعكس هذه الميزانية تركيز بكين على تطوير منظومات الدفاع الجوي والبحري، إلى جانب توسيع قدراتها النووية والصاروخية لمواجهة أي تهديد محتمل في المنطقة الآسيوية.
بلغت ميزانية روسيا العسكرية 120 مليار دولار، بنسبة 5.51% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس اعتماد موسكو الكبير على ترسانة أسلحة متقدمة، خاصة الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة، إلى جانب التركيز على الجيوش التقليدية والنووية لتعزيز نفوذها الإقليمي.
تعكس هذه الميزانيات اختلاف استراتيجيات كل دولة بحسب أولوياتها الجغرافية والأمنية، سواء كان التركيز على التسليح المتقدم، أو حفظ حجم الجيش وقوته البشرية، أو التوسع في القوة البحرية والجوية.
يمكن قياس حجم الإنفاق العسكري بطريقتين: إما بالقيمة الإجمالية للميزانية، أو كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس حجم العبء الذي تتحمله اقتصادات الدول. وتشير البيانات إلى أن متوسط الإنفاق الدفاعي عالميًا بلغ نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع هذه النسبة بشكل ملحوظ في أوقات النزاعات والحروب.
تسلط هذه الأرقام الضوء على خريطة القوة العسكرية العالمية، حيث تجمع الدول الكبرى بين الحجم الكبير للميزانية والتطور التكنولوجي المتقدم لضمان القدرة على حماية مصالحها ومواجهة أي تهديد محتمل، وهو ما يجعل تحليل الميزانيات العسكرية أداة مهمة لفهم أولويات كل دولة في السياسة الدفاعية.
الولايات المتحدة الأمريكية: العملاق العسكري بلا منافس
تعتبر الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى عالميًا، حيث تبلغ ميزانية الدفاع نحو 968 مليار دولار، أي ما يعادل 3.32% من الناتج المحلي الإجمالي. يتيح هذا التمويل الضخم للولايات المتحدة الاستثمار في أحدث أنظمة الطائرات المقاتلة، حاملات الطائرات، السفن الحربية، والصواريخ الدقيقة، بالإضافة إلى التكنولوجيا النووية المتقدمة.
تركز واشنطن على القدرة على إسقاط التفوق التكنولوجي في أي مواجهة محتملة، ما يجعل جيشها نموذجًا عالميًا للقوة والجاهزية، ويتيح لها التدخل في مناطق متعددة حول العالم مع الحفاظ على هيمنة استراتيجية مستمرة. كما يعكس هذا الإنفاق الكبير استراتيجيتها القائمة على التحكم في البحار والفضاء والتقنيات الرقمية الحديثة لضمان تفوقها على أي خصم محتمل.
روسيا: قوة نووية وتقاليد عسكرية قوية
تأتي روسيا في المرتبة الثالثة عالميًا بعد الولايات المتحدة والصين، بميزانية دفاع تصل إلى 120 مليار دولار، أي 5.51% من الناتج المحلي الإجمالي. تعكس هذه الأرقام تركيز موسكو على القوة التقليدية والنووية على حد سواء، إذ تحتفظ روسيا بأسطول متقدم من الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة، إلى جانب تطوير قدرات الدفاع الجوي والبحري.
يبرز الجيش الروسي في تأثيره الإقليمي الكبير، خصوصًا في مناطق أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، ويُعد عنصرًا أساسيًا في السياسة الخارجية لموسكو، حيث يعتمد على الجاهزية العسكرية العالية والقدرات النووية الردعية للحفاظ على موقعه الاستراتيجي بين القوى الكبرى.
الصين: القوة الآسيوية الصاعدة والمتطورة تقنيًا
تحتل الصين المركز الثاني عالميًا من حيث الإنفاق العسكري، بميزانية دفاعية تبلغ 235 مليار دولار، أي 1.29% من الناتج المحلي الإجمالي. يركز الجيش الصيني على التوسع البحري والجوي، وتعزيز القدرات النووية التقليدية والرقمية، في إطار سعي بكين للحفاظ على نفوذها في المنطقة الآسيوية والمحيط الهادئ.
كما تستثمر الصين بشكل كبير في التكنولوجيا الحديثة مثل الطائرات بدون طيار، الأقمار الصناعية العسكرية، وأنظمة الصواريخ الدقيقة، لتصبح منافسًا عالميًا في مجالات القوة التكنولوجية العسكرية، مع الحفاظ على جيش حديث وقوي قادر على تنفيذ عمليات دفاعية وهجومية على نطاق واسع.
خلاصة
تجمع هذه الدول الثلاث بين الحجم الكبير للميزانية العسكرية، والتفوق التكنولوجي، والاستراتيجية الدفاعية المحكمة، وهو ما يجعلها محورية في تحديد توازن القوى عالميًا. بينما تمتلك الولايات المتحدة نفوذًا عالميًا واسعًا، تعتمد روسيا على القوة التقليدية والنووية للردع الإقليمي، وتبني الصين قوتها على الابتكار التكنولوجي والتوسع الإقليمي، ما يجعل المنافسة بينها على الصعيد العسكري محور اهتمام العالم.