حين يقترب شهر رمضان من مصر، لا يطرق الأبواب وحده، بل يأتي محمّلًا بروح خاصة لا تشبه أي وقت آخر من العام. تتغيّر ملامح الشوارع، وتلين القلوب، وتعلو أصوات الدعاء قبل أذان المغرب، كأن البلد بأكمله يدخل في إيقاع واحد.

رمضان في مصر ليس مجرد شهر للصيام، بل حالة إنسانية متكاملة، تمتزج فيها العبادة بالعادات، والروحانية بالفرح الشعبي، والتقاليد المتوارثة بذكريات لا تزال حاضرة في الوجدان.
من مدفع الإفطار إلى المسحراتي، ومن لَمّة العائلة إلى موائد الخير، يظل رمضان موسمًا تتجدد فيه الروابط الاجتماعية، وتظهر فيه ملامح هوية مصرية خاصة، صنعتها القرون وحافظ عليها الناس جيلاً بعد جيل.
رمضان في مصر مش مجرد شهر صوم، لكنه ظاهرة اجتماعية وثقافية وروحانية تجمع العائلة والمجتمع كله من أول يوم الهلال لحد ليلة العيد. كان الناس بيعيشوا الشهر كله في جو من العبادة، التراحم، واللمة العائلية.
لطالما ارتبط إعلان بداية شهر رمضان في العالم الإسلامي بمشهد روحاني مهيب، تتداخل فيه السماء بالدين، والعلم بالإيمان. ومع تطور التكنولوجيا وظهور الذكاء الاصطناعي، لم تعد عملية ترائي الهلال تعتمد فقط على الرؤية البشرية والخبرة التقليدية، بل دخلت مرحلة جديدة تُوظَّف فيها الخوارزميات، البيانات الفلكية الضخمة، وتقنيات تحليل الصور.
ورغم هذا التطور، ظل القرار النهائي لبداية الشهر قرارًا شرعيًا يستند إلى الرؤية البصرية، بينما يؤدي الذكاء الاصطناعي دور الداعم والمُرشِد العلمي.
قبل ما تدخل التطبيقات، الموبايلات، والمنصّات التعليمية الرقمية في حياتنا اليومية كيف كانت الطقوس التقليدية في رمضان،و العادات الشعبية، والمظاهر الثقافية اللي كانت سائدة على مر السنين في المجتمع المصري.
وكيف كان تحديد بداية شهر رمضان الكريم قبل وجود مواقع الأبراج الفلكية والذكاء الاصطناعي، كان يعتمد على رؤية هلال القمر بالعين بعد صلاة المغرب. يُعلن ذلك رسميًا من الجهات الدينية، ويرفع صوته في المساجد.
يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد هلال رمضان كأداة مسانِدة للرؤية الشرعية، وليس بديلاً عنها، وذلك عبر الجمع بين البيانات الفلكية، تحليل الصور، والنماذج التنبؤية.
وقت ولادة الهلال (الاقتران).
عمر الهلال بالساعات.
مدة بقائه بعد غروب الشمس.
زاوية ارتفاعه عن الأفق.
نسبة إضاءته وإمكانية رؤيته بالعين المجردة أو التلسكوب.
هذه الحسابات تُجرى باستخدام نماذج فلكية متقدمة تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية ووكالات الفضاء مثل ناسا.
آلاف حالات رصد الهلال السابقة.
الظروف الجوية المصاحبة لكل حالة.
أماكن الرصد الناجحة والفاشلة.
ومن خلال ذلك، يستطيع النظام التنبؤ بـ:
هل الهلال قابل للرؤية أم لا؟
هل يُرى بالعين المجردة أم يحتاج إلى تلسكوب؟
أفضل توقيت وأفضل موقع جغرافي للرصد.
تُلتقط صور للهلال باستخدام تلسكوبات رقمية عالية الدقة.
يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل الصور عبر تقنيات الرؤية الحاسوبية.
يتم التمييز بين الهلال الحقيقي والضوء الناتج عن الغبار أو السحب أو انعكاسات الضوء.
هذه التقنية تقلل نسبة الخطأ البشري، خاصة في الظروف الجوية الصعبة.
تعتمد دار الإفتاء المصرية على: الرؤية الشرعية بالعين، ولجان متخصصة للرصد، والاستئناس بالحسابات الفلكية الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
والقرار النهائي يظل شرعيًا وليس تقنيًا، أي أن الذكاء الاصطناعي لا يُعلن بداية رمضان، بل يدعم القرار فقط.
وختاما.. فأن الذكاء الاصطناعي قد أعاد تشكيل مشهد ترائي هلال رمضان، محولًا عملية كانت تعتمد على التقدير والخبرة الفردية إلى منظومة علمية دقيقة.
ومع ذلك، ظل الإعلان الرسمي لبداية الشهر الكريم محتفظًا بروحه الدينية، حيث يجتمع العلم والتقنية والإيمان في لحظة واحدة، تؤكد أن التطور لا يلغي التراث، بل يدعمه ويُحكمه.