دراسات وأبحاث

تقدم حذر في جنيف.. واشنطن وطهران بين مؤشرات إيجابية وتصعيد عسكري محسوب

الأربعاء 18 فبراير 2026 - 06:01 ص
كتب- كريم الزعفراني
الأمصار

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الدبلوماسية، عادت جنيف لتتحول إلى منصة اختبار جديدة لمدى استعداد واشنطن وطهران لكسر جمود الملف النووي.

 

فبينما تتصاعد التحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، تتقدم المحادثات خلف الأبواب المغلقة بخطى حذرة، محمولة على لغة إيجابية من الجانب الإيراني وتقييم متريث من واشنطن.

 

الجولة الأخيرة، التي كشفت تفاصيلها منصة أكسيوس، لا تمثل مجرد اجتماع تفاوضي عابر، بل تعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين خصمين لدودين، في معادلة دقيقة عنوانها: التفاوض تحت سقف الضغط، فهل تمهد هذه المؤشرات لـ"اختراق" حقيقي يعيد رسم ملامح الاتفاق النووي، أم أنها مجرد تقدم تكتيكي في مسار طويل وشائك؟

 

وبحسب ما نقل الموقع، قدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عرضًا وصفه بـ"المتفائل والمشجع" بشأن المحادثات التي استمرت قرابة ثلاث ساعات. وأكد عراقجي أن الاجتماعات كانت "جادة وبنّاءة وإيجابية"، مشيرًا إلى تحقيق تقدم مقارنة بالجولة السابقة، وأن الجانبين توصلا إلى تفاهم عام حول مجموعة من المبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكل أرضية لصياغة نص اتفاق محتمل، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذا التقدم لا يعني اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي، بل يعكس بدء مسار تفاوضي أكثر وضوحًا وتنظيمًا.

 

من جانبه، أوضح وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الذي تضطلع بلاده بدور الوسيط، أن الجولة الثانية انتهت بإحراز "تقدم جيد نحو تحديد الأهداف المشتركة والقضايا الفنية". وأكد أن أجواء الاجتماعات كانت بناءة، وأن الطرفين غادرا جنيف بخطوات واضحة تحضيرًا للجولة المقبلة، مع الإقرار بأن هناك الكثير من العمل لا يزال بانتظار الحسم، خصوصًا في الملفات التقنية المعقدة.

 

في المقابل، بدا التقييم الأميركي أكثر تحفظًا. إذ نقل "أكسيوس" عن مسؤول أميركي قوله إن المحادثات جرت "كما هو متوقع"، في توصيف يعكس حذر واشنطن في إعلان نتائج ملموسة قبل اختبار النوايا الإيرانية عمليًا. 

 

كما صرّح مسؤول رفيع في البيت الأبيض بأن تقدمًا قد تحقق، لكن لا تزال هناك تفاصيل عديدة تحتاج إلى مناقشة معمقة، لافتًا إلى أن الجانب الإيراني تعهّد بالعودة خلال أسبوعين بمقترحات مفصلة لسد الفجوات المتبقية بين موقفي الطرفين.

 

بالتوازي مع المسار التفاوضي، كشف مسؤول أميركي أن أكثر من 50 مقاتلة من طراز "إف-35" و"إف-22" و"إف-16" انتقلت إلى المنطقة خلال يوم واحد، إضافة إلى إرسال حاملة طائرات ثانية، في خطوة تعكس تمسك واشنطن بسياسة الضغط العسكري المتزامن مع الانخراط الدبلوماسي. ويشير هذا التحرك إلى أن الإدارة الأميركية تسعى للحفاظ على أوراق قوة ميدانية أثناء التفاوض، تحسبًا لأي تعثر أو تصعيد محتمل.

 

وتتجه الأنظار إلى المرحلة المقبلة، حيث يُتوقع أن يبدأ الطرفان تبادل مسودات نصوص اتفاق محتمل تمهيدًا لتحديد موعد الجولة الثالثة. 

 

وبين التفاؤل الإيراني الحذر، والتقييم الأميركي المتريث، تبقى هذه المحادثات محطة مفصلية قد تعيد رسم ملامح الملف النووي الإيراني، في ظل ترقب إقليمي ودولي لما ستفضي إليه الأيام والأسابيع القادمة.