دراسات وأبحاث

ما تداعيات قرار بوركينا فاسو حل الأحزاب السياسية؟

الأربعاء 18 فبراير 2026 - 12:03 ص
غاده عماد
الأمصار

أقرّ البرلمان الانتقالي في بوركينا فاسو، في التاسع من فبراير 2026، مشروع قانون ينهي العمل بالإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية، في خطوة وُصفت بأنها تحول جذري في بنية النظام السياسي. 

 

وجاء القرار بإجماع أعضاء الجمعية التشريعية الانتقالية، متضمّنًا إلغاء ميثاق الأحزاب السياسية وكل القوانين المرتبطة بتأسيس الأحزاب ونشاطها وتمويلها، إلى جانب النصوص المنظمة لوضع المعارضة السياسية.

القرار ترافق مع إعلان الرئيس الانتقالي إبراهيم تراوري حلّ جميع الأحزاب والتشكيلات السياسية القائمة، ونقل أصولها وممتلكاتها إلى ملكية الدولة، ما يعني فعليًا إنهاء مرحلة التعددية الحزبية التي تأسست مطلع الألفية ضمن مسار الانفتاح السياسي في البلاد.

في ضوء هذا التطور، يطرح المشهد تساؤلات عميقة حول دوافع القرار وتداعياته على مستقبل الانتقال السياسي، والاستقرار الداخلي، والعلاقات الإقليمية والدولية لبوركينا فاسو.

دوافع القرار بين إعادة التأسيس وأولوية الأمن

تُبرر السلطات الانتقالية القرار باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تأسيس الدولة بعد سنوات من التوترات السياسية والتدهور الأمني. فمنذ عام 2022، تعيش البلاد مرحلة انتقالية تقودها المؤسسة العسكرية، في ظل تصاعد تهديدات الجماعات المسلحة واتساع رقعة العنف في مناطق عدة.

وترى القيادة الحالية أن البنية الحزبية السابقة لم تُسهم في تعزيز الاستقرار، بل ارتبطت – وفق خطابها – بحالة من التشظي والانقسام السياسي أضعفت مؤسسات الدولة وأفقدتها ثقة قطاعات من المواطنين. وبذلك يُنظر إلى حل الأحزاب كخطوة تمهيدية لإعادة هندسة المجال السياسي وفق تصور أكثر مركزية وانضباطًا.

عامل آخر يتمثل في معالجة التعددية الشكلية؛ إذ تجاوز عدد الأحزاب المسجلة رسميًا المائة، في حين اقتصر التأثير الفعلي على عدد محدود منها. هذا التشتت، بحسب مؤيدي القرار، أعاق تشكل كتل سياسية مستقرة وقابلة للحكم، ورسّخ ظاهرة الأحزاب الصغيرة ذات الطابع الشخصي أو الجهوي.

أما الاعتبار الأمني فيحتل موقعًا مركزيًا في مبررات السلطة. فمع استمرار التهديدات المسلحة، تعطي الحكومة أولوية لتوحيد القرار السياسي وتعبئة الموارد، معتبرة أن الانقسامات الحزبية قد تشتت الجهد الوطني. ومن هذا المنطلق، يُقدَّم تقليص المجال الحزبي كوسيلة لتعزيز الجبهة الداخلية وتغليب خطاب الوحدة الوطنية.

إعادة تشكيل بنية النظام السياسي

يمثل حل الأحزاب تحولًا بنيويًا في طبيعة النظام السياسي. فغياب الفاعلين الحزبيين المنظمين يعني تراجع قنوات المعارضة المؤسسية، وتعزيز الطابع المركزي للسلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية.

هذا التحول يمنح القيادة هامشًا أوسع لاتخاذ القرارات دون معارضة منظمة، لكنه في المقابل يضعف آليات الرقابة السياسية والتوازنات الطبيعية داخل أي نظام تعددي. ومع إلغاء النصوص المنظمة لوضع المعارضة وتمويل الأحزاب، تنتقل العلاقة بين السلطة والمجتمع إلى صيغة جديدة قيد التشكل.

وتبقى المسألة الجوهرية مرتبطة بما إذا كانت هذه الخطوة مؤقتة ضمن مسار إعادة تنظيم الحياة السياسية، أم أنها تؤسس لنمط حكم انتقالي ممتد، يتسم بتركيز السلطة وغياب التنافس الحزبي لفترة غير محددة.

تأثيرات محتملة على مسار المرحلة الانتقالية

يرتبط مستقبل الانتقال السياسي بمدى وضوح خريطة الطريق المقبلة. فإذا لم يُعلن عن إطار قانوني جديد ينظم العمل السياسي ويحدد جدولًا زمنيًا للانتخابات، فقد يُفسَّر القرار باعتباره تمديدًا غير مباشر للمرحلة الانتقالية.

كما أن غياب الأحزاب يخلق فراغًا تنظيميًا قد يُعقّد تنظيم انتخابات تنافسية في المدى القريب. فالعملية الانتخابية بطبيعتها تحتاج إلى قوى سياسية قادرة على التعبئة وتقديم البرامج والمرشحين، وهي أدوار اضطلعت بها الأحزاب تقليديًا.

من جهة أخرى، قد تتيح المرحلة الحالية للسلطة إعادة صياغة قانون جديد للأحزاب يفرض شروطًا أكثر صرامة لتأسيسها، سواء من حيث عدد الأعضاء أو الامتداد الجغرافي أو مصادر التمويل، بهدف تقليص ظاهرة التشرذم الحزبي مستقبلاً.

الاستقرار الداخلي بين التهدئة والاحتقان

على المدى القصير، قد يسهم القرار في خفض حدة الاستقطاب السياسي العلني، خاصة وأن النشاط الحزبي كان مُجمَّدًا بالفعل منذ سبتمبر 2022. غير أن الاستقرار المستدام يتطلب وجود قنوات مؤسسية لاحتواء التباينات الاجتماعية والسياسية.

في حال شعرت بعض النخب أو القواعد الاجتماعية بالإقصاء من المجال العام، فقد تنتقل المعارضة إلى أشكال غير رسمية من التعبير، سواء عبر منظمات المجتمع المدني أو الحراك الاجتماعي أو حتى الفضاء الرقمي. وهنا يصبح عامل الشفافية وإشراك الفاعلين المختلفين في صياغة الإطار الجديد حاسمًا لتجنب توترات كامنة.

كذلك، ترتبط شرعية السلطة الانتقالية بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في ملفي الأمن والاقتصاد. فمع تقليص التعددية، تصبح الشرعية معتمدة بدرجة أكبر على الأداء والإنجاز، وليس على التنافس الانتخابي أو التمثيل الحزبي.

انعكاسات إقليمية في سياق الساحل

لا يمكن فصل القرار عن السياق الإقليمي في منطقة الساحل الإفريقي، حيث شهدت دول أخرى مسارات انتقالية مشابهة. ففي مالي والنيجر، اتخذت السلطات الانتقالية خطوات لإعادة تنظيم المجال السياسي خلال فترات حكم عسكري.

كما أن انسحاب هذه الدول من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) وتوجهها نحو أطر تعاون بديلة يعكس إعادة تموضع إقليمي أوسع، يمنح أولوية لمفهوم السيادة الوطنية وإعادة ترتيب البيت الداخلي بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

في هذا السياق، يعزز قرار واغادوغو تقاربها مع جيرانها في الساحل، سواء على الصعيد السياسي أو الأمني، ويكرّس مسارًا إقليميًا يعيد النظر في نموذج التعددية الحزبية الذي ساد خلال العقود الماضية.

التأثير على العلاقات الدولية

دوليًا، قد يثير القرار انتقادات من شركاء يربطون التعاون بالإصلاحات الديمقراطية والحفاظ على التعددية السياسية. ومن المتوقع أن تتابع القوى الغربية والمؤسسات الدولية تطورات المرحلة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق بجدول العودة إلى الحكم المدني.

في المقابل، قد تُراعي بعض الأطراف الدولية الاعتبارات الأمنية، نظرًا لأهمية بوركينا فاسو في معادلة الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب في الساحل. ومن ثم، ستتحدد طبيعة ردود الفعل الخارجية بمدى وضوح المسار الانتقالي والإجراءات اللاحقة التي ستعتمدها السلطة.

بين إعادة الهيكلة والمستقبل المفتوح

في المحصلة، يشكل حل الأحزاب السياسية في بوركينا فاسو نقطة تحول حاسمة في مسارها السياسي. فالقرار لا يقتصر على إلغاء نصوص قانونية، بل يعيد تعريف قواعد المشاركة السياسية خلال المرحلة الانتقالية.

النتائج بعيدة المدى ستتوقف على طبيعة الإطار القانوني الذي سيُعتمد لاحقًا، ومدى التزام السلطة بخريطة طريق واضحة تفضي إلى نظام سياسي مستقر ومتوازن. فإذا أُعيد تنظيم الحياة الحزبية وفق معايير أكثر انضباطًا مع الحفاظ على قدر من التعددية، فقد يؤدي القرار إلى مشهد سياسي أقل تشظيًا وأكثر قابلية للإدارة.

أما إذا طال أمد تعليق العمل الحزبي دون بديل مؤسسي واضح، فقد يتجه البلد نحو نموذج حكم انتقالي ممتد، بما يحمله ذلك من تحديات داخلية وضغوط خارجية. وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل التجربة السياسية في بوركينا فاسو رهينًا بقدرة السلطة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وإعادة البناء من جهة، وضمان المشاركة السياسية والشرعية المستدامة من جهة أخرى.