في الرابع عشر من يونيو (حزيران) 2026، تستعد الولايات المتحدة الأمريكية لحدث استثنائي يجمع بين مناسبة وطنية تاريخية وذكرى شخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إذ يوافق هذا اليوم الذكرى الـ250 لتأسيس الجيش الأميركي، كما يتزامن مع عيد ميلاد ترمب التاسع والسبعين.
وبينما تصف الإدارة المناسبة بأنها احتفال بقرنين ونصف القرن من “الخدمة والتضحية”، يرى منتقدون أن العرض العسكري المرتقب في قلب واشنطن يعكس تحولاً في علاقة المؤسسة العسكرية بالسياسة.
من فكرة مرفوضة إلى واقع قائم
ليست فكرة العرض العسكري جديدة على ترمب. ففي عام 2017، وبعد حضوره احتفالات يوم الباستيل في باريس، أعرب عن إعجابه بالعرض العسكري الفرنسي ورغبته في تنظيم عرض مماثل في العاصمة الأمريكية، غير أن وزارة الدفاع آنذاك أبدت تحفظاً واضحاً، مفضلة إبقاء الجيش بعيداً عن الانقسامات السياسية.
وبحسب روايات مسؤولين سابقين، اعتُبرت العروض العسكرية الضخمة تقليداً ترتبط به أنظمة سلطوية أكثر من ارتباطه بالديمقراطيات الغربية الحديثة.
لاحقاً، وفي عام 2020، اقتصر الاحتفال بعيد الاستقلال على عروض جوية فوق مدن أميركية تاريخية، من بينها بوسطن ونيويورك وفيلادلفيا، من دون استعراض بري واسع النطاق في شوارع العاصمة.
أما اليوم، وبعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، فقد تبدلت المعادلة داخل وزارة الدفاع.
ومع قيادة سياسية وعسكرية توصف بأنها أكثر انسجاماً مع توجهات الرئيس، اختفت الاعتراضات السابقة، وأُعلنت خطط تفصيلية لإقامة عرض عسكري واسع في محيط “ناشيونال مول” بالقرب من البيت الأبيض.
تفاصيل العرض العسكري المرتقب
بحسب الخطط التي أعلنها الجيش، سيشارك في العرض نحو 6700 جندي من مختلف الوحدات، إضافة إلى معدات ثقيلة تشمل 28 دبابة من طراز “أبرامز”، و28 ناقلة جند مدرعة من نوع “سترايكر”، ومدافع “هاوتزر” ذاتية الدفع، وأكثر من 100 مركبة عسكرية أخرى.
كما يتضمن العرض مشاركة 50 مروحية عسكرية، وطائرة قاذفة تاريخية من طراز “بي 25”، إضافة إلى 34 حصاناً وبغلين وكلب عسكري، في إشارة إلى رمزية الوحدات التاريخية في الجيش الأميركي.
ومن المقرر أن يشارك جنود بزي عسكري يعود إلى حروب سابقة، مثل حرب 1812 والحرب الإسبانية الأميركية، في استعراض يهدف إلى إبراز تطور المؤسسة العسكرية عبر القرون.
وسيمر العرض أمام منصة رسمية يقف عليها الرئيس ترمب وكبار مسؤولي إدارته. كما سيشهد الاحتفال قفزاً مظلياً لفريق “الفرسان الذهبيين” التابع للجيش، يتخلله تسليم العلم للرئيس، في مشهد رمزي يعكس الطابع الاحتفالي للمناسبة.
تكلفة الاحتفال وجدلية الإنفاق
قدّر الجيش تكلفة العرض بما يتراوح بين 25 و45 مليون دولار، مع احتمال ارتفاع الرقم في ضوء تكاليف إصلاح الطرق المتضررة من مرور الدبابات والمركبات الثقيلة، إضافة إلى نفقات الأمن والتنظيف وخدمات الطوارئ.
ويرى منتقدو العرض أن هذا الإنفاق يتعارض مع توجهات الإدارة لخفض النفقات الفيدرالية في قطاعات مثل التعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية.
ويشير بعضهم إلى أن تخصيص عشرات الملايين لعرض عسكري احتفالي، حتى وإن كان المبلغ محدوداً مقارنة بموازنة الدفاع التي تتجاوز تريليون دولار، يبعث برسالة سياسية متناقضة.
في المقابل، يدافع مؤيدو الاحتفال عن التكلفة باعتبارها متواضعة أمام “250 عاماً من الخدمة والتضحية”، على حد تعبير متحدث باسم الجيش، مؤكدين أن المناسبة وطنية بامتياز وليست حدثاً حزبياً.
الجيش بين الاحتراف والتسييس
أثارت فكرة استعراض الدبابات في شوارع واشنطن نقاشاً واسعاً بين خبراء الأمن القومي.
فالبعض يرى أن العروض العسكرية الكبيرة ليست جزءاً من تقاليد الولايات المتحدة، التي درجت على تنظيم استعراضات محدودة بعد انتهاء الحروب الكبرى، مثل الحرب الأهلية أو الحربين العالميتين.
ويحذر منتقدون من أن مشاهد الآليات الثقيلة في قلب العاصمة قد تعزز الانطباع بتسييس المؤسسة العسكرية، خصوصاً في ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد.
ويخشى هؤلاء من أن يتحول الجيش إلى أداة رمزية في الصراع الحزبي، بدلاً من بقائه مؤسسة مهنية فوق الانقسامات.
في المقابل، يرى مؤيدون أن تعريف الأميركيين بقواتهم المسلحة وإتاحة الفرصة لرؤية الجنود والمعدات العسكرية عن قرب قد يعزز الروابط بين المجتمع والجيش، ويشجع على الخدمة العامة والتطوع.
رمزية التوقيت: بين الوطنية والشخصنة
يتزامن الاحتفال مع عيد ميلاد الرئيس ترمب، ما أضفى بعداً سياسياً إضافياً على المناسبة. ورغم أن المسؤولين يؤكدون أن الحدث مخصص للاحتفاء بتأسيس الجيش عام 1775، فإن التزامن الزمني أثار تساؤلات حول حدود الفصل بين الرمز الوطني والرمز الشخصي.
لم يُحسم بعد ما إذا كان الاحتفال سيتضمن أي إشارة مباشرة إلى عيد ميلاد الرئيس، لكن بعض التقارير أشارت إلى أن برنامج الفعاليات سيشمل عروضاً موسيقية عسكرية، وسباقات ترفيهية، وإصدار طابع بريدي تذكاري، وحتى اتصالاً من رائد فضاء تابع للجيش من محطة الفضاء الدولية.
تاريخ العروض العسكرية في الولايات المتحدة
شهدت الولايات المتحدة عروضاً عسكرية كبرى في مناسبات محددة، كان أبرزها بعد نهاية حرب الخليج الأولى مطلع تسعينات القرن الماضي. كما أُقيمت استعراضات خلال بعض مراسم التنصيب الرئاسية في حقبة الحرب الباردة. غير أن هذه الفعاليات ظلت استثناءً أكثر من كونها قاعدة، مقارنة بدول أخرى تعتمد العروض العسكرية تقليداً سنوياً ثابتاً.
لذلك، يُنظر إلى عرض يونيو 2026 بوصفه حدثاً غير اعتيادي في السياق الأميركي الحديث، سواء من حيث حجمه أو رمزيته السياسية.
بين الاحتفال والرسالة السياسية
في نهاية المطاف، يعكس العرض العسكري المرتقب تداخلاً معقداً بين الاحتفال بالتاريخ العسكري للولايات المتحدة والجدل السياسي المعاصر. فبالنسبة لمؤيدي الإدارة، هو مناسبة لتكريم الجنود وإبراز قوة البلاد. أما بالنسبة للمنتقدين، فهو مؤشر على تحول أعمق في العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية.
وبين هذين المنظورين، تستعد واشنطن لمشهد استثنائي قد يطبع الذكرى الـ250 لتأسيس الجيش الأميركي بصورة غير مسبوقة، ويضيف فصلاً جديداً إلى النقاش الدائم حول دور الجيش في الحياة العامة الأميركية.