تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران منذ مطلع عام 2026 مرحلة شديدة الحساسية، تُعد من أكثر الفترات توترًا منذ انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump من الاتفاق النووي المبرم عام 2015.
ويأتي التصعيد الراهن في ظل تداخل معقد بين الاعتبارات العسكرية والدبلوماسية، وبين حسابات السياسة الداخلية الأمريكية، لا سيما الصراع الحزبي داخل الكونجرس بين الجمهوريين والديمقراطيين.
هذا الصراع لم يعد مجرد خلفية سياسية للأزمة، بل أصبح عاملًا فاعلًا في رسم حدود التحرك الأمريكي، سواء نحو التصعيد أو الاحتواء.
داخل الحزب الجمهوري يبرز تياران رئيسيان في التعامل مع إيران.
التيار الأول، الذي يمكن وصفه بتيار “الردع الصارم”، يرى أن طهران لا تستجيب إلا لمنطق القوة، وأن الضغوط القصوى – الاقتصادية والعسكرية – هي الأداة الوحيدة القادرة على كبح طموحاتها النووية والإقليمية.
ويستند هذا التيار إلى قناعة مفادها أن سياسات التهدئة السابقة منحت إيران فرصة لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط وزيادة مستويات التخصيب النووي.
في المقابل، يوجد تيار جمهوري آخر يميل إلى “الانكفاء النسبي”، ويركز على أولوية الملفات الداخلية، خاصة أمن الحدود والاقتصاد الأمريكي.
هذا التيار لا يتبنى خطابًا متسامحًا تجاه إيران، لكنه يُحذر من الانزلاق إلى حرب واسعة في الشرق الأوسط قد تستنزف الموارد الأمريكية وتؤثر سلبًا على المزاج الشعبي.
ومن ثم، فإن أي إدارة جمهورية تجد نفسها مطالبة بالموازنة بين إظهار الحزم وتجنب التورط في نزاع طويل الأمد.
أما داخل الحزب الديمقراطي، فتتباين المواقف أيضًا.
التيار الأقرب إلى نهج إدارة Barack Obama يتمسك بفكرة أن البديل عن الاتفاق النووي هو التصعيد المفتوح، وأن الدبلوماسية المدعومة بالردع والعقوبات تظل الخيار الأكثر عقلانية.
ويرى هذا التيار أن الضربات العسكرية الواسعة قد تؤدي إلى توحيد الداخل الإيراني خلف قيادته، بما يُضعف فرص التغيير أو الاعتدال.
في المقابل، يبرز جناح ديمقراطي أكثر تشددًا يعتبر أن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء النووية والإقليمية، وأن العودة إلى اتفاق شبيه باتفاق 2015 دون تعديلات جوهرية سيُعد مكافأة لسلوك مزعزع للاستقرار.
هذا التباين يجعل الموقف الديمقراطي أقل تجانسًا مما يبدو، ويُصعّب تشكيل جبهة حزبية موحدة في مواجهة الإدارة الجمهورية.
ينص الدستور الأمريكي على أن سلطة إعلان الحرب تعود إلى الكونجرس، بينما يتولى الرئيس قيادة القوات المسلحة.
هذا التوازن يُنتج توترًا دائمًا في أوقات الأزمات.
ومع تصاعد الحديث عن ضربات أمريكية محتملة ضد منشآت نووية إيرانية، عاد الجدل حول حدود صلاحيات الرئيس في استخدام القوة دون تفويض صريح من الكونجرس.
شهدت الأسابيع الأخيرة محاولات من بعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لطرح مشاريع قوانين تقيّد قدرة الإدارة على تنفيذ عمليات عسكرية إضافية دون موافقة تشريعية.
ورغم أن هذه المحاولات لم تحقق اختراقًا حاسمًا، فإنها عكست حجم الانقسام الداخلي. فالمشرعون المؤيدون للإدارة يرون أن التحرك السريع ضروري لحماية الأمن القومي، بينما يعتبر المعارضون أن أي تصعيد واسع دون تفويض يُشكل تجاوزًا دستوريًا.
لا ينفصل الصراع الحزبي عن حسابات الرأي العام. فالمجتمع الأمريكي يبدو منقسمًا بين من يدعم موقفًا قويًا ضد إيران، ومن يخشى التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط بعد تجارب العراق وأفغانستان. ومع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة، يصبح أعضاء الكونجرس أكثر حساسية تجاه توجهات دوائرهم الانتخابية.
بعض النواب يخشون أن يُنظر إلى دعمهم لعمل عسكري واسع باعتباره مغامرة غير محسوبة، خاصة إذا ترتب عليها ارتفاع في أسعار الطاقة أو خسائر بشرية. في المقابل، قد يتعرض معارضو التصعيد لاتهامات بالضعف في مواجهة تهديدات خارجية. هذه المعادلة الانتخابية تدفع العديد من المشرعين إلى تبني مواقف حذرة، توازن بين الخطاب المتشدد عمليًا، والتحفظ على الانخراط العسكري فعليًا.
ينعكس الانقسام الحزبي على شكل “تردد محدود” في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران. فالإدارة قد تلوّح باستخدام القوة، لكنها تدرك أن أي توسع في العمليات العسكرية سيتطلب غطاءً سياسيًا أوسع داخل الكونجرس. وفي المقابل، تراهن طهران على أن الانقسامات الداخلية الأمريكية ستُقيد قدرة واشنطن على خوض حرب شاملة.
هذا الوضع يُبقي التصعيد ضمن حدود محسوبة: تعزيز وجود عسكري، فرض عقوبات إضافية، تحركات ردعية في الخليج، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسارات تفاوض غير مباشرة. فالمعادلة الحالية توحي بأن واشنطن تسعى إلى الضغط دون الانفجار، فيما تحاول طهران الصمود اقتصاديًا بانتظار تغير موازين القوى السياسية في الداخل الأمريكي.
سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الضغط الحزبي داخل الكونجرس في توجيه الإدارة نحو مسار تفاوضي مشروط، يهدف إلى التوصل إلى اتفاق نووي مُحدّث يتضمن قيودًا أطول أمدًا وآليات رقابة موسعة، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. هذا السيناريو يمنح كل طرف أمريكي فرصة لتسويق الاتفاق داخليًا باعتباره إنجازًا يحفظ الردع ويتجنب الحرب.
السيناريو الثاني يقوم على استمرار التصعيد عند مستوى الاحتكاكات المحدودة، سواء في الخليج أو عبر وكلاء إقليميين، دون انزلاق إلى حرب شاملة. في هذا الإطار، يظل القرار الأمريكي مرهونًا بتفاهمات حزبية جزئية تمنع الانفلات، لكنها لا تُنتج اختراقًا دبلوماسيًا حاسمًا.
أما السيناريو الثالث، فيرتبط بإمكانية تفاقم الأحداث نتيجة خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب، ما يدفع الإدارة إلى رد عسكري واسع في ظل انقسام داخلي. هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى أزمة دستورية داخلية إذا شعر الكونجرس بتجاوز صلاحياته، فضلًا عن تداعيات إقليمية واسعة.
خلاصة المشهد
يتضح أن الصراع الحزبي داخل الكونجرس الأمريكي لم يعد مجرد خلفية سياسية للأزمة مع إيران، بل أصبح أحد محدداتها الأساسية. فهو يُقيد هامش حركة الرئيس، ويُخضع قرارات الحرب والسلام لحسابات انتخابية ودستورية معقدة. وفي ظل هذا التشابك، لا يتوقف مستقبل التوتر الأمريكي الإيراني على التطورات الميدانية فحسب، بل يتأثر أيضًا بمدى قدرة النظام السياسي الأمريكي على إنتاج توافق داخلي حول استراتيجية واضحة تجاه طهران.
وبين ضغط الردع ومتطلبات الشرعية الدستورية، وبين هواجس الحرب وحسابات الانتخابات، يبقى التصعيد الراهن محكومًا بتوازن دقيق داخل واشنطن، قد يُفضي إلى تسوية محسوبة، أو يُبقي الأزمة في حالة شد وجذب مفتوح، بانتظار لحظة حسم سياسي داخلي لم تتبلور بعد.