شهدت مدينة بني وليد جنوب غرب العاصمة الليبية طرابلس، جنازة سيف الإسلام القذافي، الابن الأكبر للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، والتي وصفت بأنها الأكبر في تاريخ ليبيا منذ سقوط النظام السابق.
هذه الجنازة لم تكن مجرد مراسم تشييع، بل تحولت إلى مظاهرة سياسية كبيرة، شارك فيها الآلاف من أنصار النظام السابق، رافعين علم الجماهيرية وهتافات مؤيدة لعائلة القذافي، مثل: "نحن ليبيا معمر، واللي يعادينا يتدمر" و"الله، معمر، ليبيا وبس".
ويظهر من خلال هذا الحدث أن جنازة سيف الإسلام القذافي مثلت تعبيرًا عن الحنين لفترة حكم والده، وعن الغضب من الأوضاع الحالية في ليبيا، وربما عن رفض الطريقة التي قتل بها، ما يعكس أن القضية تجاوزت الطابع الشخصي لتتحول إلى قضية سياسية وطنية وقبلية، إذ أعادت طرح الأسئلة حول أسباب الثورة على القذافي الأب والنتائج التي ترتبت عليها.

ويشير مراقبون إلى أن ما حدث في ليبيا هو جزء من ظاهرة أوسع في المنطقة العربية تتعلق بمحاولات "توريث الحكم" من الآباء إلى الأبناء داخل أنظمة الحكم الاستبدادية. وقد بدأ نموذج التوريث الحديث في سوريا، حيث أدى بشار الأسد اليمين الدستورية في 17 يوليو 2000 خلفًا لوالده حافظ الأسد بعد تعديل دستوري خفض الحد الأدنى للترشح للرئاسة، ما سمح له بالفوز في انتخابات شبه خالية من المنافسة بنسبة 97.27%.
هذا النموذج السوري شكل نقطة انطلاق للعديد من القادة العرب الذين سعوا لتكرار التجربة، بما في ذلك العقيد معمر القذافي في ليبيا، والرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مع نجله جمال، والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح مع نجله أحمد، إلى جانب محاولات شملت زوجة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وأقاربه.
ومع ذلك، واجهت هذه المشاريع موجات رفض من القوى الوطنية والشعبية، بالإضافة إلى مؤسسات رسمية وشبكات مصالح سياسية، حيث تصاعدت مظاهر الاحتجاج في مصر تحت شعار "كفاية" و"لا للتمديد ولا للتوريث"، وانتشرت مظاهر رفض أقل حدة في تونس وليبيا واليمن.
واستثمر الجميع الغضب الشعبي الناتج عن تردي الأوضاع المعيشية لتعزيز جبهة رفض التوريث، ما ساهم لاحقًا في تحركات جادة لإسقاط بعض الأنظمة الاستبدادية.
وتؤكد جنازة سيف الإسلام القذافي أن التوريث لم يلقَ قبولًا شعبيًا أو سياسيًا في ليبيا، وأن الحنين لفترة حكم والده لا يعني القبول بنسخ النموذج السوري، بل يعكس الحاجة إلى البديل الديمقراطي كخيار ناجع لمواجهة الاستبداد والفساد السياسي. ويبرز النموذج السوري كبرهان واضح على مخاطر التوريث السياسي وتأثيره السلبي على استقرار الدولة والمجتمع.