وسط استمرار التوتر الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، أطلقت السلطات الجزائرية حملة ميدانية لتطهير مواقع التجارب النووية التي نفذتها باريس في صحراء الجزائر قبل عقود، في خطوة تهدف إلى إزالة آثار الإشعاعات الملوثة التي ما تزال تهدد البيئة والصحة العامة.
وأكد وزير المجاهدين الجزائري، عبد المالك تشريفت، خلال تصريحاته في مدينة أدرار بمناسبة مرور 66 عاماً على أول تجربة ذرية فرنسية، أن التفجيرات النووية الفرنسية تمثل «جريمة مكتملة الأركان مست الطبيعة وحق الإنسان في الوجود»، مشيراً إلى أن الدراسات العلمية والبحوث الميدانية أثبتت استمرار تأثير هذه التجارب على الإنسان والطبيعة والحيوان، محدثة أمراضاً مزمنة وتشوهات خلقية امتدت آثارها لأجيال متعاقبة.
وأوضح الوزير الجزائري أن «إحياء هذه الذكرى يحفز الخبراء والأكاديميين على مواصلة بحوثهم العلمية والتاريخية لتحليل أبعاد هذه الجريمة، تاريخياً وطبياً وقانونياً وإنسانياً»، مشدداً على أن «الحق لا يسترد إلا بالبراهين العلمية الموثقة».
تأتي هذه التصريحات في وقت ما تزال فيه الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا قائمة، والتي تصاعدت بعد اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في يوليو 2024.
وتُعد قضية التجارب النووية جزءاً من ما يعرف بـ«ملف الذاكرة»، حيث تطالب الجزائر بتطهير مواقع رقان، إن إكر، وواد الناموس من النفايات الإشعاعية، وتسليم الخرائط والوثائق الطوبوغرافية الخاصة بها، إضافة إلى مراجعة قانون «موران» الفرنسي لعام 2010 لتوسيع التعويضات للمتضررين.

في هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية عن إطلاق أول خطوات التطهير الجزئي لموقع تجربة «بيريل» في منطقة تاوريرت تان أفلا بإن إكر، معتمدة على معدات محلية وكفاءات وطنية. ووفق تقرير وثائقي بعنوان «جزائريون في قلب التحديات»، أظهر المشروع معالجة الانبعاثات الناتجة عن تفجير نووي داخلي بقوة تعادل 150 ألف طن من مادة «تي. إن. تي»، والذي أدى إلى تلوث المنطقة بعناصر مشعة مثل «السيزيوم-137» و«البلوتونيوم».
وأكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في عدة مناسبات أن فرنسا يجب أن تتحمل مسؤولياتها الكاملة تجاه مواقع التجارب النووية، مشدداً على أن «تطهير هذه المواقع ليس مجرد مسألة سياسية، بل واجب إنساني وأخلاقي» لضمان حماية البيئة ومعالجة آثار الإشعاعات على السكان المتضررين.
كما دعا إلى كشف الخرائط والوثائق الدقيقة لمواقع دفن النفايات، مشيراً إلى أن هذا يعد شرطاً أساسياً لأي تعاون مستقبلي بين الجزائر وفرنسا.
وعلى صعيد التعاون الدولي، أبدت الجزائر رغبتها في الاستفادة من خبرة روسيا في معالجة آثار التجارب النووية، خلال زيارة الرئيس تبون الرسمية لموسكو في يونيو 2023، حيث طرح توقيع اتفاقيات ثنائية لمعالجة الملفات البيئية والصحية الناجمة عن التجارب النووية.
تجدر الإشارة إلى أن التجارب النووية الفرنسية في الجزائر بدأت عام 1960 بمنطقة رقان، وشملت أربع تجارب جوية ضمن سلسلة «اليربوع»، ثم واصلت باريس اختبارات تحت الأرض في منطقة إن إكر بين عامي 1962 و1966، ما رفع إجمالي التجارب إلى 17 تجربة، خلفت تداعيات بيئية وصحية مستمرة حتى اليوم، وفق تصريحات السلطات الجزائرية.