دراسات وأبحاث

فخ ستارلينك.. الأوكرانيون يخدعون الروس في ساحة المعركة

السبت 14 فبراير 2026 - 07:03 م
غاده عماد
الأمصار

في تطور جديد يعكس تصاعد الحرب السيبرانية بالتوازي مع المعارك الميدانية، أعلنت وحدة من القوات السيبرانية الأوكرانية تنفيذ عملية خداع استهدفت جنودًا روسًا يستخدمون أجهزة ستارلينك في مناطق القتال. العملية، التي وُصفت بأنها “فخ رقمي محكم”، لم تقتصر على كشف مواقع عسكرية روسية محتملة، بل امتدت — وفقًا للرواية الأوكرانية — إلى جمع تبرعات مالية من جنود سعوا لاستعادة الاتصال، وتحويلها لدعم الطائرات المسيّرة الأوكرانية.

ستارلينك.. بنية تحتية حيوية في الحرب

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت خدمة الإنترنت الفضائي التابعة لشركة سبيس إكس إلى عنصر حاسم في ميدان القتال. فبفضل قدرتها على توفير اتصال عالي السرعة دون الاعتماد على شبكات الهاتف الأرضية أو الخلوية، أصبحت أجهزة ستارلينك وسيلة اتصال أساسية للقوات الأوكرانية في الخطوط الأمامية، خصوصًا في إدارة عمليات الطائرات المسيّرة وتنسيق الوحدات المتحركة.

لكن كييف تتهم موسكو منذ أشهر باستغلال وصول غير مصرح به إلى الشبكة في المناطق المحتلة، واستخدامها لتشغيل طائرات بدون طيار وأنظمة عسكرية أخرى. هذا الاستخدام المتبادل حوّل الخدمة المدنية إلى أداة استراتيجية ذات تأثير مباشر في ميزان القوى التكتيكي.

نظام التسجيل الإلزامي.. نقطة التحول
بحسب بيانات رسمية أوكرانية، جاء تنفيذ العملية السيبرانية بعد تطبيق نظام تسجيل إلزامي وقائمة بيضاء لأجهزة ستارلينك بالتعاون مع شركة سبيس إكس. النظام الجديد يفرض تسجيل كل جهاز بشكل رسمي وربطه ببيانات تحقق محددة، ما أدى إلى إيقاف الوصول غير المصرح به خلال الأسبوع الماضي.

هذا الإجراء قيّد — وفق الرواية الأوكرانية — قدرة القوات الروسية على استخدام أجهزة غير مسجلة في ساحة المعركة. وبمجرد تعطيل عدد من المحطات الطرفية، ظهرت حاجة ملحة لدى بعض الوحدات الروسية لاستعادة الاتصال، وهو ما فتح الباب أمام العملية السيبرانية الأوكرانية.

تفاصيل “الفخ” الرقمي

أعلنت فرقة الهجوم السيبراني رقم 256، بالتعاون مع مجموعتي InformNapalm وMILITANT، أنها أنشأت واجهة مزيفة تُحاكي خدمة روسية مزعومة لإعادة تفعيل أجهزة ستارلينك التي توقفت عن العمل. 

وقدمت هذه الواجهة نفسها باعتبارها قناة مساعدة فنية قادرة على تجاوز القيود الجديدة.

ووفق البيان المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، طُلب من الجنود الروس الراغبين في استعادة الخدمة تقديم بيانات تعريفية وإحداثيات أجهزتهم الطرفية، تحت ذريعة إتمام عملية إعادة التنشيط عبر “مراكز الخدمة الإدارية”. هذا الطلب، الذي بدا تقنيًا وإجرائيًا، مكّن الوحدة الأوكرانية — بحسب ادعائها — من الحصول على معلومات حساسة تتعلق بمواقع استخدام الأجهزة.

البيانات المجموعة.. 2420 حزمة معلومات

أكدت المجموعة أنها جمعت 2420 حزمة بيانات تخص أجهزة طرفية تستخدمها روسيا، مشيرة إلى أنها سلمت هذه المعلومات إلى أجهزة إنفاذ القانون والدفاع الأوكرانية. وتقول إن هذه البيانات استُخدمت لتعطيل المحطات الطرفية لاحقًا، ما أدى إلى قطع الاتصال عن مستخدميها.

حتى الآن، لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من حجم البيانات أو من نجاح عملية التعطيل، إذ تعتمد المعلومات المنشورة على تصريحات الجهات الأوكرانية المعنية. غير أن مجرد الإعلان عن هذا الرقم يعكس حجم التفاعل الذي حدث مع المنصة المزيفة.

تبرعات غير متوقعة.. 5870 دولارًا
في مفارقة لافتة، أعلنت المجموعة أنها تلقت 5870 دولارًا من جنود روس سعوا إلى استعادة الاتصال، موضحة أن المبلغ حُوّل إلى مبادرات دعم الطائرات المسيّرة الأوكرانية. وبذلك تحولت محاولة استعادة الخدمة — بحسب الرواية — إلى مصدر تمويل غير مباشر للخصم.

هذا الجانب المالي، وإن كان محدودًا من حيث القيمة، يحمل دلالة رمزية قوية في سياق الحرب النفسية، إذ يعكس قدرة العمليات السيبرانية على الجمع بين جمع المعلومات والتأثير المعنوي.

إحالات أمنية وتحذيرات

البيان أشار كذلك إلى تحديد 31 أوكرانيًا وُصفوا بأنهم “خونة” كانوا مستعدين لمساعدة القوات الروسية عبر تسجيل أجهزة طرفية. وأكدت المجموعة إحالة المعلومات إلى جهاز الأمن الأوكراني لاتخاذ الإجراءات القانونية.

في سياق متصل، أعلن مقر التنسيق الأوكراني لمعاملة أسرى الحرب في العاشر من فبراير أن روسيا تجبر عائلات أسرى الحرب الأوكرانيين على تسجيل محطات ستارلينك، معتبرًا ذلك محاولة للالتفاف على نظام التحقق الجديد. هذه الاتهامات تضيف بُعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا إلى المعركة التقنية الجارية.

حرب المعلومات.. بين الواقع والدعاية

تنقل صحيفة كييف إندبندنت هذه المعطيات استنادًا إلى البيانات الرسمية، مع تأكيدها أنها لم تتمكن من التحقق المستقل من الادعاءات المتعلقة بتعطيل الأجهزة أو حجم المعلومات التي جرى جمعها. هذا التحفظ يسلط الضوء على طبيعة الحرب الإعلامية الموازية، حيث تختلط العمليات الفعلية بعناصر الدعاية والتأثير النفسي.

في النزاعات الحديثة، لا تُقاس الإنجازات فقط بالأرض التي يتم السيطرة عليها، بل كذلك بالبيانات التي يتم جمعها والاتصالات التي يتم قطعها والثقة التي يتم زعزعتها. ومع تزايد اعتماد الجيوش على التكنولوجيا التجارية المعدلة للاستخدام العسكري، تصبح الشركات الخاصة — مثل سبيس إكس — أطرافًا غير مباشرة في صراعات دولية معقدة.

تكنولوجيا مدنية في قلب النزاع

أبرز ما تكشفه هذه العملية هو التحول الجذري في طبيعة الحروب المعاصرة. خدمات إنترنت فضائي صُممت لتوصيل المجتمعات النائية أصبحت أدوات قيادة وسيطرة عسكرية. وأي تغيير في سياسات التسجيل أو الوصول يمكن أن يعيد رسم خطوط المواجهة.

كما أن استخدام الخداع الرقمي لاستدراج الخصم يعكس تطورًا في أساليب الحرب السيبرانية، التي لم تعد تقتصر على اختراق الأنظمة، بل باتت تعتمد على الهندسة الاجتماعية واستغلال الحاجة الملحة للاتصال.

سواء ثبتت جميع تفاصيل العملية أم لا، فإن المؤكد أن معركة السيطرة على شبكات الاتصال أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحرب الروسية الأوكرانية. ومع استمرار تطوير أدوات التشويش والتسجيل والتحقق، يتوقع أن تتصاعد المواجهة التقنية بين الطرفين.

في ساحة معركة باتت الأقمار الصناعية فيها بقدر أهمية الدبابات، والبيانات بوزن الذخيرة، يبدو أن “فخ ستارلينك” ليس سوى فصل جديد في حرب تتجاوز حدود الأرض لتطال الفضاء السيبراني والفضائي معًا.