دراسات وأبحاث

تحديات أمنية ومحاولات اغتيال.. تفاصيل استهداف الرئيس السوري ووزيران من داعش

الخميس 12 فبراير 2026 - 07:02 م
غاده عماد
الأمصار

تشهد الساحة السورية تطورات متسارعة تعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ إطاحة نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.

وبينما تسعى الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع إلى تثبيت أركانها داخلياً وتعزيز حضورها دولياً، تتكاثر التحديات الأمنية، من محاولات اغتيال استهدفت كبار المسؤولين، إلى تحركات عسكرية إقليمية، وانسحابات لقوات أجنبية، فضلاً عن تطورات مقلقة في ملف مخيمات عناصر تنظيم «داعش». 

هذه الوقائع ترسم مشهداً أمنياً هشاً يختبر قدرة الدولة على بسط سيادتها ومنع عودة الفوضى.

محاولات اغتيال تكشف استمرار الخطر

أفاد تقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزيري الداخلية والخارجية كانوا أهدافاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة خلال العام الماضي.

ووفق التقرير، الذي أعده مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فإن المحاولات نُفذت من قبل جماعة تُدعى «سرايا أنصار السنة»، يُعتقد أنها واجهة لتنظيم «داعش».

وأشار التقرير إلى أن الشرع استُهدف في مدينتي حلب شمالاً ودرعا جنوباً، دون الكشف عن تواريخ أو تفاصيل دقيقة بشأن العمليات أو كيفية إحباطها. كما طالت التهديدات وزير الداخلية أنس حسن خطاب ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ما يعكس تركيز التنظيم على ضرب القيادة السياسية والأمنية للدولة.

ويعدّ الشرع، الذي تولى الرئاسة بعد إسقاط الأسد في ديسمبر 2024، شخصية محورية في المرحلة الانتقالية. وكان سابقاً زعيماً لـ«هيئة تحرير الشام» قبل أن تعلن الجماعة فك ارتباطها بتنظيم «القاعدة». 

ويبدو أن استهدافه يهدف إلى إرباك المشهد السياسي وتقويض الاستقرار النسبي الذي تسعى الحكومة لترسيخه.

داعش واستراتيجية استغلال الفراغات

أكد تقرير الأمم المتحدة أن تنظيم «داعش» لا يزال مصمماً على تقويض الحكومة السورية الجديدة واستغلال «الفراغات الأمنية وحالة عدم الاستقرار». واعتبر أن استخدام جماعات واجهة يمنح التنظيم قدرة على الإنكار المعقول ويعزز مرونته العملياتية.

وبحسب خبراء مكافحة الإرهاب، يقدّر عدد مقاتلي التنظيم في سوريا والعراق بنحو ثلاثة آلاف عنصر، غالبيتهم داخل الأراضي السورية. وتتركز أنشطتهم في الشمال والشمال الشرقي، حيث تستهدف الهجمات بشكل رئيسي قوات الأمن ومواقع عسكرية.

ويعكس هذا الواقع استمرار التهديد رغم تراجع سيطرة التنظيم الميدانية مقارنة بسنوات تمدده السابقة. فالتحول من السيطرة على أراضٍ إلى تكتيكات الاغتيالات والكمائن يشير إلى استراتيجية حرب استنزاف طويلة الأمد.

هجوم تدمر وردّ واشنطن

من أبرز الحوادث الأمنية التي شهدتها البلاد مؤخراً كمين نُصب في 13 ديسمبر الماضي قرب تدمر، استهدف قوات أميركية وسورية مشتركة. وأسفر الهجوم عن مقتل جنديين أميركيين ومدني أميركي، إضافة إلى إصابة عدد من الجنود الأميركيين وعناصر الأمن السوري.

وأثار الهجوم رد فعل عسكرياً من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أمر بشن عمليات تستهدف مقاتلي التنظيم في المنطقة. وأعاد الحادث تسليط الضوء على هشاشة التنسيق الأمني في بعض المناطق الصحراوية، حيث تستفيد الخلايا النائمة من الطبيعة الجغرافية الوعرة وضعف الانتشار المستدام للقوات.

تسلم قاعدة التنف وتحولات في الوجود الأجنبي

في تطور لافت، أعلنت وزارة الدفاع السورية تسلم الجيش قاعدة التنف العسكرية بعد مغادرة القوات الأميركية. وجاء ذلك في إطار تنسيق بين الجانبين، حيث باشرت وحدات الجيش الانتشار في محيط القاعدة وعلى المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن.

وتُعد قاعدة التنف من أبرز المواقع الاستراتيجية في البادية السورية، إذ كانت تشكل نقطة مراقبة مهمة على خطوط الإمداد بين العراق وسوريا. ويثير انسحاب القوات الأميركية تساؤلات حول قدرة الجيش السوري على ملء الفراغ ومنع تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود المفتوحة نسبياً.

كما يرتبط الموقع بمخيم الركبان وبتشكيلات عسكرية محلية كانت تحظى بدعم أميركي، ما يضيف تعقيداً إضافياً لعملية إعادة ترتيب الوضع الأمني في المنطقة.

مخيم الهول وتداعيات الانسحاب الكردي

على صعيد آخر، أفادت مصادر إنسانية بمغادرة معظم عائلات عناصر «داعش» الأجانب مخيم الهول في شمال شرقي سوريا، عقب انسحاب قوات «قسد» الكردية التي كانت تديره وتسلمه للقوات الأمنية السورية.

وكان المخيم يضم نحو 24 ألف شخص، بينهم آلاف النساء والأطفال من جنسيات متعددة، كثير منهم من عائلات مقاتلي التنظيم. وأشارت مصادر إلى أن القسم المخصص للأجانب أصبح شبه فارغ، مع تقارير عن تهريب عدد كبير منهم إلى إدلب ومناطق أخرى.

وتثير هذه التطورات مخاوف من إعادة تشكل شبكات متطرفة خارج إطار الرقابة الأمنية، خصوصاً في ظل غياب إحصاءات دقيقة حول مصير المغادرين. كما أن وجود آلاف الأطفال في المخيمات يمثل تحدياً إنسانياً وأمنياً مزدوجاً، إذ يخشى من تحولهم إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف.

توغل إسرائيلي في ريف القنيطرة

في موازاة هذه التحديات الداخلية، شهد الجنوب السوري توغلاً لقوات إسرائيلية في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة. وذكرت مصادر محلية أن قوة مؤلفة من ثلاث آليات عسكرية أقامت حاجزاً مؤقتاً وفتشت المارة قبل أن تنسحب.

كما سُجل إطلاق قنابل مضيئة وقذائف مدفعية في محيط تل الأحمر شمال المحافظة. وتأتي هذه التحركات في سياق توتر مزمن على الجبهة الجنوبية، حيث تراقب إسرائيل عن كثب التحولات العسكرية داخل سوريا، ولا سيما ما يتعلق بانتشار القوات الحكومية الجديدة.

وتزيد هذه الحوادث من تعقيد المشهد الأمني، إذ تضع الحكومة السورية أمام تحدي إدارة حدود حساسة في ظل إعادة بناء مؤسساتها العسكرية.

مرحلة اختبار للدولة الجديدة

تتزامن كل هذه التطورات مع مساعي الحكومة السورية لتعزيز شرعيتها الدولية، إذ انضمت في نوفمبر الماضي إلى التحالف الدولي لمكافحة «داعش». غير أن الطريق نحو الاستقرار يبدو محفوفاً بالتحديات.

فمحاولات اغتيال القيادة، واستمرار نشاط الخلايا المتطرفة، وتبدل خريطة الانتشار العسكري الأجنبي، إضافة إلى التعقيدات الإنسانية في المخيمات، كلها عوامل تجعل المرحلة الراهنة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على فرض سيادتها وضبط الأمن.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الأولوية أمام دمشق متمثلة في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتعزيز التنسيق الإقليمي، وضبط الحدود، إلى جانب معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي التطرف. فنجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس فقط بإسقاط نظام سابق، بل بقدرة النظام الجديد على منع عودة دوامة العنف وترسيخ استقرار مستدام.