دراسات وأبحاث

زلزال تحت القبة.. نواب جمهوريون يقودون حملة لإسقاط أجندة «ترامب» التجارية

الخميس 12 فبراير 2026 - 07:59 ص
مصطفى عبد الكريم
ترامب
ترامب

شهدت أروقة «الكونجرس الأمريكي» انشقاقًا جمهوريًا نادرًا، أسفر عن نجاح مجلس النواب في إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة على «كندا»، مُتحديًا بذلك «الرؤية الاقتصادية» للرئيس دونالد ترامب. وانحاز (6) نواب من الحزب الجمهوري إلى الجانب الديمقراطي في تصويت حاسم، ليُطلقوا شرارة حملة لإسقاط «الأجندة التجارية» المُثيرة للجدل، مدفوعين بقلق مُتزايد من أثرها على «جيوب الناخبين» وتأثيراتها المُحتملة على نتائج الانتخابات النصفية المُرتقبة.

إسقاط تعريفات ترامب الجمركية

يُمثّل هذا التصويت حجر الزاوية في «خطة ديمقراطية شاملة» تهدف إلى «تقويض سياسات ترامب الجمركية». فمن المقرر أن تشهد المرحلة المُقبلة طرح حزمة تشريعات لإلغاء الرسوم المفروضة على شركاء تجاريين رئيسيين مثل «المكسيك والبرازيل»، وصولاً إلى إلغاء الرسوم الشاملة المرتبطة بـ«يوم التحرير»، في محاولة لإعادة صياغة المشهد الاقتصادي الأمريكي.

حُسِم التصويت بنتيجة (219)) صوتًا مقابل (211)، إذ كسر (6) نواب جمهوريين الصف الحزبي وانضموا للديمقراطيين، بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

تهديدات ترامب والتمرد الجمهوري

أشارت صحيفة «ذا جارديان» البريطانية، إلى أن قائمة المنشقين شملت دون بيكون من نبراسكا، وتوماس ماسي من كنتاكي، وبراين فيتزباتريك من بنسلفانيا، وكيفين كيلي من كاليفورنيا، ودان نيوهاوس من واشنطن، وجيف هيرد من كولورادو، وفي المقابل كان النائب الديمقراطي جاريد جولدن من ولاية مين الوحيد الذي صوّت ضد القرار.

جاءت هذه النتيجة رغم تهديدات ترامب الصريحة التي أطلقها عبر منصته «تروث سوشيال» في أثناء التصويت، إذ حذّر قائلًا: «أي جمهوري في مجلس النواب أو الشيوخ يُصوّت ضد التعريفات الجمركية سيُواجه عواقب وخيمة وقت الانتخابات، بما في ذلك الانتخابات التمهيدية»، حسبما أفادت صحيفة «بوليتيكو».

وأوضح الرئيس ترامب، أن التعريفات الجمركية وفرّت للبلاد الأمن الاقتصادي والوطني، مُحذّرًا من أن «أي جمهوري يُدمّر هذا الامتياز سيتحمل المسؤولية».

تبريرات اقتصادية لكسر الصف

برر النواب الجمهوريون المنشقون موقفهم بالأضرار الاقتصادية الملموسة التي تلحقها التعريفات بولاياتهم، إذ أكّد «بيكون» أن التعريفات الجمركية «تُمثّل عبئًا صافيًا سلبيًا على الاقتصاد، وتُشكّل ضريبة كبيرة يدفعها المستهلكون والمصنعون والمزارعون الأمريكيون»، وفق ما ذكرته «بي بي سي».

كما تساءل عن سبب عدم دفاع الكونجرس عن صلاحياته كسلطة تشريعية مستقلة في مواجهة تغول السلطة التنفيذية على صلاحيات فرض الرسوم الجمركية، حسب «ذا جارديان».

من جهته، أوضح «نيوهاوس» عبر منصات التواصل الاجتماعي، أن «الكونجرس لا يجب أن يُقيد نفسه من استخدام صلاحياته الدستورية في فرض التعريفات»، مُشيرًا إلى أنه رغم فهمه لمنهج الرئيس في استخدام التعريفات كورقة ضغط إلا أن الواقع يُؤكّد أن التعريفات على كندا «ألحقت أضرارًا بالغة بسكان واشنطن».

وكشفت «بوليتيكو» أن استطلاعًا للرأي أظهر انقسامًا حتى بين الجمهوريين المؤيدين لحركة «ماجا» حول التعريفات الجمركية، كما أن الديمقراطيين حققوا نتائج أفضل من المتوقع في الانتخابات الخاصة التي ركّزت على قضية القدرة الشرائية.

صراع جونسون والمنشقين الجمهوريين

حاول رئيس مجلس النواب «مايك جونسون»، حليف ترامب في الكونجرس، منع إجراء التصويت من الأساس خوفًا من تداعياته السياسية على أعضاء الحزب الجمهوري، وفقًا لـ«بوليتيكو».

وطالب «جونسون» النواب بالانتظار حتى تُصدر المحكمة العليا حكمها بشأن مدى «قانونية تعريفات ترامب»، لكن إستراتيجيته انهارت ليلة الثلاثاء عندما انشق عدد من الجمهوريين خلال تصويت إجرائي، ما سمح بطرح القرار الديمقراطي للنقاش.

House of Representatives | Definition, History, & Facts | Britannica
الكونجرس الأمريكي

ونقلت «ذا جارديان» عن كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض، قوله: «نحن نشعر بخيبة أمل مما فعله هؤلاء الأشخاص، لكن الرئيس سيتأكد من أنهم لن يلغوا تعريفاته الجمركية».

خطة ديمقراطية لتفكيك التعريفات

قدّم القرار النائب جريجوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، الذي اتهم ترامب بـ«تحويل التعريفات الجمركية إلى سلاح» ضد الحلفاء، ما أدى إلى زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي، حسبما أفادت «بي بي سي».

وأضاف «ميكس»، أن هذه التعريفات «لم تُلحق ضررًا هائلًا بعلاقتنا مع كندا ودفعتها للاقتراب من الصين فحسب، بل رفعت الأسعار محليًا أيضًا».

وأعلن ميكس، وفق «ذا جارديان»، أن القرار الخاص بكندا هو الأول ضمن سلسلة مشروعات قوانين يخطط لتقديمها لإلغاء تعريفات ترامب على المكسيك والبرازيل والرسوم العالمية التي فرضها في «يوم التحرير»، مُؤكّدًا  مقطع فيديو نشره قبل التصويت: «معركتنا لا تتوقف هنا».

من جهته، قال زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز، إن تعريفات ترامب «تتسبب في ارتفاع جنوني للأسعار وتخلق حالة من عدم اليقين غير الضروري للعائلات الأمريكية»، بحسب «ذا جارديان».

وأضاف «جيفريز»، في بيان بعد إقرار القرار: «لشهور، حاول الجمهوريون المتملقون في مجلس النواب منعنا من التحرك نيابة عن الشعب الأمريكي، لكن الديمقراطيين نجحوا اليوم في تفجير تعريفات ترامب على كندا».

كما علّق النائب الديمقراطي ريتشارد نيل قائلًا: «لم ألتق بجمهوري في هذه المدينة يؤيد التعريفات منذ عهد ريجان، والآن هناك تعريفة جديدة كل يوم، وما نعتزم فعله هو البدء بكندا، ثم الانتقال إلى المكسيك والاستمرار في جميع الاتجاهات».

طريق شائك بالكونجرس والقضاء

رغم النجاح في مجلس النواب، يُواجه القرار «طريقًا شائكًا»، إذ ينتقل الآن إلى مجلس الشيوخ حيث يُسيطر الجمهوريون أيضًا على الأغلبية، وفقاً لـ«بي بي سي».

وحتى إذا تمت الموافقة عليه هناك، إذ سبق لمجلس الشيوخ أن أقرّ قرارين مشابهين بدعم أربعة جمهوريين، فإن الرئيس سيستخدم حق النقض «فيتو» بشكل شبه مُؤكّد.

ويحتاج «الكونجرس» إلى أغلبية الثلثين في كلا المجلسين لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهو أمر «مُستبعد للغاية».

وفي سياق مُتصل، تخضع تعريفات ترامب الجمركية لتدقيق قانوني من قِبل المحكمة العليا الأمريكية، للنظر في شرعية الصلاحيات الرئاسية المستخدمة لفرضها، حيث ذكرت «بي بي سي»، أن المحكمة ستُصدر حكمها «قريبًا» في هذه القضية الحساسة، والتي قد تُعيد رسم حدود السلطة التنفيذية في القضايا الاقتصادية.

تصدعات الجمهوريين وخارطة واشنطن

يظل «زلزال» مجلس النواب مُجرّد بداية لمعركة سياسية وقانونية أطول، فبين مطرقة «الفيتو» الرئاسي وسندان المحكمة العليا، تبدو الأيام المُقبلة «حاسمة» في تحديد مصير أجندة ترامب التجارية. وسواء نجحت هذه الحملة في كسر الرسوم الجمركية أو اصطدمت بحائط الصد في مجلس الشيوخ، فإنها قد كشفت بالفعل عن تصدعات في جدار الولاء الجمهوري، قد تُعيد رسم خريطة القوى داخل واشنطن مع اقتراب الانتخابات النصفية.