كشفت تقارير أممية حديثة عن تحولات لافتة في البنية العملياتية لحركة «الشباب» الإرهابية في الصومال، الذراع الأبرز لتنظيم «القاعدة» في القرن الأفريقي، وسط تصاعد ملحوظ في وتيرة التجنيد، وتقليص فترات التدريب، وتعديل واضح في طبيعة العمليات الميدانية، بما يعكس محاولة التنظيم التكيف مع الضغوط العسكرية والأمنية المتزايدة، وفرض واقع جديد على الأرض داخل الصومال ودول الجوار.
وجاءت هذه المعطيات ضمن تقرير موسّع أعده فريق خبراء تابع للأمم المتحدة، قُدم إلى مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتناول بالتفصيل أنشطة حركة «الشباب» خلال العام الأخير، بما في ذلك تحركاتها الإقليمية، وأساليب التمويل، وبنيتها القيادية، وامتداداتها العابرة للحدود.

وفق التقرير، انتهجت حركة «الشباب» خلال الأشهر الأخيرة تعديلات عملياتية جوهرية، تمثلت في التحول من نمط الهجمات الخاطفة والانسحاب السريع إلى استراتيجية أكثر هجومية، تقوم على محاولة السيطرة على الأرض، وتعزيز المواقع، والحفاظ على المكاسب، ولو بشكل مؤقت.
ويشير الخبراء إلى أن هذا التحول يعكس إدراك الحركة لتراجع هامش المناورة التقليدي، نتيجة الضربات العسكرية التي تعرضت لها، ما دفعها إلى البحث عن وسائل جديدة لإثبات الوجود، وفرض نفسها كفاعل أمني لا يمكن تجاهله في المعادلة الصومالية.
أبرز ما رصده التقرير الأممي هو الزيادة الكبيرة في عمليات التجنيد، سواء الطوعي أو القسري، داخل المناطق الخاضعة لنفوذ الحركة أو تلك التي تسعى لاختراقها.
وبحسب الوثيقة، دربت الحركة خلال الفترة من سبتمبر/أيلول إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024 نحو 1100 مقاتل جديد، بينهم مجندون من الصومال وإثيوبيا وكينيا. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، خضع 825 شابًا آخرين للتدريب في معسكرين أحدهما في شبيلي السفلى والآخر في شبيلي الوسطى.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ أشار التقرير إلى لجوء الحركة إلى ضغوط مباشرة على زعماء العشائر، خاصة من الأقليات، لإجبارهم على تقديم مجندين وأموال ومواشٍ، في صورة تعكس تصاعد التجنيد القسري وتحولاته إلى سياسة ممنهجة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أجبرت الحركة سبعة من زعماء عشائر الأقليات على تقديم 100 مجند و100 ألف دولار و100 جمل و300 رأس من الغنم، في واقعة وصفتها مصادر أممية بأنها مؤشر خطير على توسع الجباية القسرية.
كشف التقرير عن صدور توجيهات مباشرة من القيادة العليا لحركة «الشباب» بتكثيف التجنيد القسري، خصوصًا لدعم الجبهة الإثيوبية.
وبحسب مصادر فريق الخبراء، أصدر بشير فرقان، المعروف باسم «جوليد إلكعاس»، الأمير العام للوحدات العسكرية بالحركة، تعليمات بتجنيد ألف مقاتل قسرًا للجبهة الإثيوبية، في خطوة تعكس الرهان المتزايد على التمدد خارج الحدود الصومالية.
وفي مقابل التوسع السريع في التجنيد، لجأت الحركة إلى تقليص فترات التدريب بشكل غير مسبوق. فقد انخفضت مدة تدريب بعض المجندين الجدد إلى أسبوعين فقط قبل نشرهم في مناطق القتال، بينما تقلص تدريب الوحدات المتخصصة من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر.
ويرى خبراء أن هذا التوجه يعكس محاولة لتعويض الخسائر البشرية بسرعة، حتى على حساب الكفاءة القتالية، مع الاعتماد على إعادة مقاتلين متمرسين كانوا قد أُحيلوا إلى التقاعد لتعزيز الخبرات داخل الصفوف.
وعلى خلاف ما قد يوحي به تقليص التدريب، رصد التقرير زيادة في استثمارات حركة «الشباب» في الجوانب الطبية واللوجستية خلال عام 2025، في مؤشر على سعيها لتحسين قدرتها على الصمود.
وتلقى ما يعرف بـ«أمير شؤون الصحة» في الحركة، عبد الرحمن سيرو، موارد إضافية لتحسين الخدمات الطبية المقدمة للمقاتلين، بما في ذلك الإسعافات الميدانية وعلاج الجرحى، وهو ما يعزز قدرة التنظيم على مواصلة القتال لفترات أطول.
وعلى المستوى الجغرافي، أكد التقرير استمرار نشاط حركة «الشباب» في المناطق الحدودية مع كينيا وإثيوبيا، لا سيما في إقليمي باكول وجيدو المتاخمين لإثيوبيا، وعلى طول معظم الحدود الكينية من مقاطعة منديرا إلى لامو.
وأشار إلى أن هيكل القيادة الإقليمية للحركة لا يزال ثابتًا، إذ يتولى معلم عثمان منصب أمير المديرية العسكرية للعمليات في كينيا وإثيوبيا وشمال الصومال، يعاونه معلم أدان، فيما يتولى مصعب ياري قيادة وحدة «جيش أيمن» المسؤولة عن العمليات داخل كينيا.
كما طورت الحركة هيكل «الوحدات المتخصصة» ليشمل مناطق قيادة قطاعية، ما يسمح بتنفيذ عمليات شبه مستقلة تتناسب مع الخصوصية الجغرافية لكل منطقة.
سلط التقرير الضوء على تزايد نشاط حركة «الشباب» داخل الأراضي الإثيوبية، خاصة بعد الهجوم الكبير الذي شنته الحركة على «ولاية الصومال الإقليمية».
وبحسب التقرير، تمركزت الحركة في مناطق بالي وليين وأفدير لأغراض التجنيد وجمع المعلومات الاستخباراتية، وسط مخاوف إقليمية من استمرار استغلال المهاجرين الإثيوبيين الضعفاء أثناء عبورهم شمالًا عبر الصومال إلى اليمن.
وأظهرت البيانات ارتفاع عدد المقاتلين الإثيوبيين داخل صفوف الحركة من نحو 200 إلى 600 مقاتل خلال فترة قصيرة، ما يعكس نجاح الحركة في استقطاب عناصر جديدة خارج بيئتها التقليدية.
وفي كينيا، وصف التقرير تهديد حركة «الشباب» بأنه «كبير ومستمر»، من خلال تنفيذ هجمات بعبوات ناسفة بدائية الصنع، وعمليات خطف، وإغارات على المنازل، وسرقة المواشي.
وخلال عام 2025، بلغ متوسط الهجمات التي نفذتها الحركة في كينيا نحو ست هجمات شهريًا، تركز معظمها في مقاطعة منديرا، ما يضع السلطات الكينية أمام تحديات أمنية متزايدة.
ومن أخطر ما كشفه التقرير الأممي هو قيام حركة «الشباب» بإرسال مقاتليها للتدريب في اليمن، في تنسيق واضح مع فروع تنظيم «القاعدة» هناك.
ووفق تحقيق فريق الخبراء، غادر 30 مقاتلًا صوماليًا في أكتوبر/تشرين الأول 2024 على متن مركب شراعي يمني من ساحل شبيلي السفلى، ووصلوا إلى المكلا، قبل نقلهم إلى ضواحي الحديدة، حيث تلقوا تدريبًا استمر شهرين شمل استخدام الأسلحة الخفيفة والمضادة للطائرات وتصنيع العبوات الناسفة.
وابتداءً من فبراير/شباط 2025، رصد التقرير تحولًا في الموقف العملياتي للحركة، حيث بدأت تنفيذ ضربات هجومية في مناطق هيران وشبيلي الوسطى، مع محاولات واضحة للسيطرة على المدن بدلًا من الاكتفاء بالهجوم والانسحاب.
وتمكنت الحركة من السيطرة على باريري في مارس/آذار 2025، ثم آدن يبال في أبريل/نيسان، قبل أن تتقدم نحو بلعد على بعد 30 كيلومترًا شمال مقديشو، في واحدة من أخطر محاولات الاقتراب من العاصمة خلال الفترة الأخيرة.
كما أقامت نقاط تفتيش جديدة على الطرق المؤدية إلى مقديشو، ما زاد من الضغط على طرق الإمداد والوصول، وهدد أمن منطقة بنادر دون تنفيذ هجوم مباشر على العاصمة.
وتكشف المعطيات الأممية أن حركة «الشباب» لم تعد مجرد تنظيم محلي، بل باتت فاعلًا إقليميًا يسعى لمد نفوذه عبر الحدود، مستفيدًا من الثغرات الأمنية والتشابكات الجغرافية والسياسية في القرن الأفريقي.
وبينما تستمر الحركة في إعادة تشكيل أدواتها وأساليبها، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الحكومات المعنية على بناء استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول العسكرية، وتستهدف الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي هذا التمدد، قبل أن يتحول الخطر إلى واقع يصعب احتواؤه.