أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في جمهورية العراق أن التوسع في تقديم الخدمات الحكومية الرقمية أسهم بشكل واضح في الحد من فرص الفساد، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، بما عزز مستويات الشفافية ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وجاء ذلك في تصريحات أدلى بها مدير مشروع تعزيز التحكيم ومكافحة الفساد في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، ياما تُرابي، لوكالة الأنباء العراقية (واع)، حيث أوضح أن حصول العراق على 28 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 يعكس وجود إصلاحات قائمة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تحديات تراكمية ما زالت تؤثر على ثقة المواطنين بالخدمات العامة.
وأشار تُرابي إلى أن نتائج المؤشر لم تكن مفاجئة لكثير من العراقيين، في ظل التأثيرات الممتدة للفساد، لا سيما في ما يتعلق بإجراءات الحصول على الرخص والموافقات الإدارية، وتقديم الخدمات الأساسية، ومستويات الثقة بالمؤسسات الحكومية العراقية.
مؤشر الفساد… مقياس ثقة لا ترتيب رقمي
وأوضح المسؤول الأممي أن مؤشر مدركات الفساد غالبًا ما يُساء فهمه على أنه مجرد تصنيف رقمي، بينما هو في حقيقته مقياس يعكس نظرة المواطنين وقطاع الأعمال والمستثمرين والشركاء الدوليين إلى مدى موثوقية مؤسسات الدولة، واتساق تطبيق القوانين، وفاعلية المساءلة، واستدامة الإصلاحات.
وأكد أن أهمية المؤشر بالنسبة للعراق تنبع من تأثيره المباشر على قرارات المستثمرين والمقرضين وشركاء التنمية، الذين يعتمدون عليه لتقدير مستوى المخاطر وتحديد طبيعة الانخراط الاقتصادي، سواء كان استثمارًا قصير الأجل أو طويل الأمد، مضاربًا أو إنتاجيًا.
استراتيجيات عراقية لتعزيز النزاهة
وبيّن تُرابي أن الحكومة العراقية اتخذت خلال السنوات الأخيرة خطوات ملموسة لتعزيز منظومة مكافحة الفساد، من بينها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام 2021 – 2025، التي أسهمت في توحيد جهود المؤسسات العراقية حول أولويات مشتركة، إلى جانب العمل على إعداد استراتيجية متابعة للفترة 2025 – 2030، بما يعكس نية الاستمرار في مسار الإصلاح المؤسسي.

وأشار إلى أن مؤشرات التصورات، ومنها مؤشر مدركات الفساد، تتحسن بوتيرة بطيئة، خصوصًا في المراحل التي تتطلب ترجمة الخطط والتشريعات إلى ممارسات يومية راسخة داخل مؤسسات الدولة.
وأكد المسؤول الأممي أن ملف التحول الرقمي في العراق يمثل أحد أبرز نماذج الإصلاح الجاري، موضحًا أن توسع الحكومة العراقية في تقديم الخدمات العامة الرقمية، مثل خدمات الجوازات، والبطاقات الوطنية، والبوابة الحكومية الإلكترونية، أسهم في تقليل التفاعل المباشر بين المواطن والموظف، ما حدّ من فرص الفساد، وعزز الشفافية من خلال توحيد الإجراءات وزيادة قابلية التتبع.
وأضاف أن هذه الخطوات لاقت ترحيبًا واضحًا من المواطنين العراقيين، إلا أنها تحتاج إلى الاندماج ضمن إصلاحات حوكمة أوسع لضمان استدامة نتائجها.
وأشار تُرابي إلى أن انخفاض نتيجة العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 يعكس فجوة ثقة بين نوايا الإصلاح وتجربة المواطنين اليومية، مؤكدًا أن ردم هذه الفجوة يتطلب الانتقال من إجراءات متفرقة إلى إصلاحات مؤسسية مدمجة ومحميّة من التقلبات السياسية.
وشدد على أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق يواصل دعمه لجهود الإصلاح، من خلال مشاريع تستهدف ترسيخ النزاهة، وتعزيز التنسيق المؤسسي، ودعم التحول الرقمي القائم على أسس الحوكمة، مؤكدًا أن تحسن المؤشرات، رغم بطئه، يعكس إصلاحات حقيقية عندما تكون مستدامة، ويمهّد الطريق نحو ازدهار اقتصادي طويل الأمد.