في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد التحولات الجيوسياسية والاقتصادية عالميًا، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سلسلة مواقف حادة تعكس قلقًا أوروبيًا متناميًا من مسار العلاقات مع الولايات المتحدة والصين، داعيًا إلى إعادة صياغة شاملة لدور الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا ودفاعيًا. وجاءت تصريحات ماكرون في مقابلة مطوّلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، قبل أيام من اجتماع مرتقب لقادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ما منح كلماته وزنًا سياسيًا مضاعفًا.
دعوة صريحة لكسر هيمنة الدولار
أكد الرئيس الفرنسي أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، تتطلب قرارات جريئة تتجاوز الحسابات التقليدية، وعلى رأسها إطلاق قدرة أوروبية مشتركة على الاقتراض عبر إصدار سندات يورو موحدة. واعتبر ماكرون أن هذه الخطوة ليست خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لكسر هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي.
وأشار إلى أن الاعتماد المفرط على العملة الأمريكية بات مصدر قلق متزايد للأسواق العالمية، التي تبحث عن بدائل أكثر استقرارًا وتعددية.
وأضاف أن أوروبا تمتلك ميزة نسبية مهمة، كونها أقل مديونية مقارنة بالولايات المتحدة والصين، ما يمنحها مساحة أوسع للتحرك المالي دون تهديد مباشر للاستقرار النقدي.
استثمارات ضخمة لمواجهة سباق التكنولوجيا
قدّر ماكرون احتياجات الاتحاد الأوروبي الاستثمارية السنوية بنحو 1200 مليار يورو، تشمل مجالات حيوية تتصدرها التقنيات الخضراء، والتحول الرقمي، والدفاع، والأمن. وحذّر من أن التردد في ضخ هذه الاستثمارات، في ظل سباق عالمي محموم على التكنولوجيا المتقدمة، سيجعل أوروبا متأخرة استراتيجيًا، وربما عاجزة عن حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية خلال العقد المقبل.
وأوضح أن السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة ستكون حاسمة، معتبرًا أن الفشل في التحرك السريع سيؤدي إلى "انجراف" أوروبا خارج مراكز التأثير في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والصناعات الدفاعية المتقدمة.
توتر غير مسبوق مع واشنطن
في لهجة لافتة، وصف ماكرون الإدارة الأمريكية الحالية بأنها "معادية لأوروبا"، متهمًا إياها بإظهار ازدراء واضح للاتحاد الأوروبي، والسعي إلى إضعافه أو تفكيكه. وقال إنه يتعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "باحترام، ولكن ليس بضعف"، في إشارة إلى رفضه أي مقاربة أوروبية تقوم على التنازلات أو التهدئة المؤقتة.
وحذّر الرئيس الفرنسي من الوقوع في فخ "الارتياح الزائف"، عندما تتراجع واشنطن مؤقتًا عن بعض تهديداتها التجارية أو التكنولوجية، مؤكدًا أن هذا الهدوء لا يعكس تغييرًا حقيقيًا في النهج الأمريكي. وأشار إلى أن التوترات المرتبطة بملفات التكنولوجيا، وغرينلاند، والتجارة، والصناعات الدوائية، ما زالت قائمة، بل تتجدد يوميًا.
فشل سياسة التسويات مع الولايات المتحدة
اعترف ماكرون بأن محاولات التوصل إلى تسويات مع الإدارة الأمريكية خلال الأشهر الماضية لم تحقق النتائج المرجوة، بل أسهمت – بحسب وصفه – في زيادة التبعية الاستراتيجية لأوروبا. واعتبر أن استمرار هذا النهج سيقوّض طموحات الاتحاد الأوروبي في تحقيق استقلاله الاقتصادي والسياسي، داعيًا إلى تبني سياسة أكثر صرامة تقوم على الدفاع عن المصالح الأوروبية دون مواربة.
أزمة مزدوجة: الصين وأمريكا
سلّط الرئيس الفرنسي الضوء على ما وصفه بـ"الأزمة المزدوجة" التي تواجه أوروبا، والمتمثلة في الضغط التجاري الصيني من جهة، والمزاج الأمريكي المتقلب من جهة أخرى. وأوضح أن الصين حققت فوائض تجارية عالمية تقدر بنحو ألف مليار دولار، يذهب ثلثها تقريبًا إلى أوروبا، ما يعكس اختلالًا كبيرًا في ميزان العلاقات التجارية.
وفي المقابل، أشار إلى أن الولايات المتحدة فرضت رسومًا جمركية على منتجات أوروبية عدة، في إطار سياسات حمائية تضرب جوهر الشراكة عبر الأطلسي، وتضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات اقتصادية غير مسبوقة.
السيادة الأوروبية بين القناعة والتباطؤ
ورغم تأكيده أن فكرة السيادة الأوروبية باتت مقبولة أيديولوجيًا على نطاق واسع داخل القارة، عبّر ماكرون عن استيائه من بطء تنفيذ الخطط المرتبطة بتعزيز هذه السيادة. وقال إنه يدافع منذ تسع سنوات عن مفهوم "أوروبا أكثر استقلالية"، لكن الواقع العملي لا يزال دون مستوى التحديات المتسارعة.
بنية أمنية جديدة تشمل روسيا
في طرح استراتيجي مثير للجدل، دعا ماكرون إلى إنشاء بنية أمنية أوروبية جديدة تشمل مشاركة روسيا، مؤكدًا أن القارة بحاجة إلى إعادة التفكير جذريًا في هيكلها الأمني. واعتبر أن أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لضمان أمنها، كما كان الحال في العقود الماضية.
وشدد على أن الأمن الأوروبي يجب أن يُبنى على تعاون إقليمي واسع واستثمارات مشتركة، بما يضمن قدرة القارة على حماية نفسها في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة.
أوروبا أمام اختبار تاريخي
اختتم ماكرون مواقفه بالتأكيد على أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام اختبار تاريخي حاسم، إما أن يختار التحرك الجماعي الجريء، أو يواجه خطر التهميش في نظام عالمي يتغير بسرعة. وبينما تتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، تبدو دعوة الرئيس الفرنسي محاولة لإعادة رسم موقع أوروبا كلاعب مستقل، لا تابع، في معادلة القوة الدولية.