المغرب العربي

لوبوان: نظام قيس سعيّد ينقلب على أنصاره ويكشف مأزق الحكم

الإثنين 09 فبراير 2026 - 06:03 م
هايدي سيد
الأمصار

رأت مجلة «لوبوان» الفرنسية أن النظام الذي أسسه الرئيس التونسي قيس سعيّد منذ إجراءات 25 يوليو (تموز) 2021 بات يدخل مرحلة جديدة من الارتباك، بعدما لم يعد يكتفي بملاحقة المعارضين، بل بدأ يستهدف شخصيات من داخل معسكره السياسي نفسه، في مؤشر على أزمة عميقة تضرب بنية الحكم.

وسلطت المجلة الضوء على إيقاف النائب أحمد سعيداني ووضعه قيد الاحتجاز التحفظي، على خلفية تصريحات انتقد فيها أداء السلطة وغياب النتائج الملموسة لسياسات الرئيس. ويُعد سعيداني من أبرز الوجوه التي دعمت مسار سعيّد، بل كان من أكثر أنصاره تطرفًا في الخطاب، حيث جمع، وفق المجلة، بين قومية عربية حادة ونزعة يسارية متشددة، إلى جانب ولاء شخصي شبه مطلق للرئيس.

وانتُخب سعيداني نائبًا عن حزب الرابطة الوطنية السيادية المؤيد للرئيس، واشتهر بتصريحات عدائية تجاه المعارضة، وصلت حد الدعوة إلى زجّهم في السجون أو «إرسالهم إلى المقابر»، ما جعله، بحسب «لوبوان»، أحد المساهمين في ترسيخ النظام الجديد الذي فكك مؤسسات ما بعد الثورة، من دستور وبرلمان وهيئات مستقلة.

لكن هذا المسار انقلب رأسًا على عقب في الرابع من فبراير (شباط)، عندما جرى توقيف سعيداني ثم إيداعه السجن. وتساءلت المجلة: ما الجريمة التي ارتكبها نائب محسوب على السلطة؟ لتجيب بأن «ذنبه» تمثل في التشكيك بجدوى السياسات القائمة، وانتقاد عجز الحكم عن تحقيق وعوده الاقتصادية والاجتماعية.

وأشارت «لوبوان» إلى أن تونس شهدت في الفترة الأخيرة أحداثًا كشفت هشاشة الخطاب الرسمي، من بينها أزمة المركب الكيميائي في قابس، حيث أدى التلوث المنبعث من المصنع إلى إصابة تلاميذ بأمراض، ما فجّر احتجاجات واسعة قوبلت بالقمع، وانتهت بإقالة موظف صغير وتحميله المسؤولية.

كما تطرقت المجلة إلى الفيضانات التي ضربت مناطق عدة وأودت بحياة خمسة أشخاص، كاشفة أن البنية التحتية لم تشهد أي تطوير يُذكر منذ أربع سنوات، ما عزز شعور التونسيين بأن الانقلاب لم يغيّر واقعهم المعيشي.

وفي هذا السياق، نقلت «لوبوان» أن سعيداني وصف الرئيس، الذي كان يرفعه إلى مرتبة الأسطورة، بتعبير مهين، ما عرضه للمحاكمة بتهمة «التشهير برئيس الجمهورية»، وهي تهمة قد تقوده إلى سنوات طويلة خلف القضبان.

واعتبرت المجلة أن استهداف أنصار الرئيس يعكس فشلًا ثلاثيًا: أخلاقيًا، وأيديولوجيًا، واجتماعيًا. فشل أخلاقيًا عندما جرى استخدام القضاء والسجون لتصفية الخصوم باسم محاربة الفساد، دون تقديم نتائج ملموسة. 

وفشل أيديولوجيًا حين حاول الرئيس ربط تونس بمحاور بعيدة عن واقعها الاقتصادي، متجاهلًا ارتباطها الحيوي بأوروبا. أما الفشل الاجتماعي، فهو الأخطر، لأنه مسّ حياة المواطنين اليومية دون أن تتحقق الوعود التي بُني عليها احتكار السلطة.

وخلصت «لوبوان» إلى أن اعتقال سعيداني ليس حادثة معزولة، بل علامة على ضعف النظام، مؤكدة أن «أسطورة الديكتاتور المستنير» التي أحاط بها قيس سعيّد نفسه كانت أكبر من قدرته على تجسيدها، وأن الزنزانة التي استقبلت المعارضين أصبحت اليوم مصيرًا حتى للمقرّبين.