حوض النيل

حرب السودان تحاصر البدو وتفكك نسيجهم الاجتماعي.. تفاصيل

الإثنين 09 فبراير 2026 - 06:02 م
هايدي سيد
الأمصار

تسببت الحرب المستمرة في السودان منذ عام 2023 في قلب حياة البدو الرحل رأسًا على عقب، بعدما كانوا يجوبون الصحراء بحرية، متنقلين بين المراعي والأسواق ومصادر المياه، ليجدوا أنفسهم اليوم محاصرين بالخوف، وانعدام الأمن، وتصاعد التوترات العرقية، خصوصًا في مناطق شمال كردفان ومحيط مدينة الأبيّض.

وكان جبارة البشير وعائلته، مثل آلاف البدو العرب، يعتمدون على الترحال الموسمي بالإبل والماشية، وهو نمط حياة ضارب في جذور التاريخ السوداني. لكن مع اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باتت طرق التنقل التقليدية محفوفة بالمخاطر، وتحولت الصحراء المفتوحة إلى فضاء غير آمن تنتشر فيه عصابات النهب وقطاع الطرق.

وأدى النزاع المسلح إلى نزوح نحو 14 مليون شخص داخل السودان وخارجه، فضلًا عن اندلاع موجات من العنف ذات طابع عرقي، وانتشار المجاعة والأوبئة، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم حاليًا.

ويشير باحثون محليون إلى أن الحرب لم تقتصر آثارها على القتال المباشر، بل ضربت في العمق منظومة التعايش الاجتماعي، خصوصًا في ما يتعلق بملكية الأراضي ومسارات الماشية، التي كانت تشكل أساس العلاقات بين القبائل البدوية والمجتمعات الزراعية المستقرة.

وتُعد مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إحدى أكثر المناطق تضررًا، حيث شهدت معارك عنيفة خلال الأشهر الماضية، ما أدى إلى شلل الأسواق، وانقطاع سلاسل الإمداد، وارتفاع حدة الشكوك والانقسامات بين المكونات الاجتماعية.

ويقول البشير، وهو أحد الرعاة المحاصرين في أطراف الأبيّض، إن التنقل الذي كان يتم دون قيود أصبح شبه مستحيل، موضحًا أن القوافل البدوية لم تعد مرحبًا بها، وأن الخوف بات يسيطر على الأسواق والطرقات، بعدما كانت فضاءات مفتوحة للجميع دون تمييز.

إلى جانب الحرب، يواجه البدو الرحل تهديدًا متزايدًا من عصابات مسلحة تستهدف سرقة الماشية، وهي المصدر الأساسي للرزق. ويؤكد رعاة محليون أن أي محاولة للخروج من محيط الأبيّض قد تنتهي بفقدان كل ما يملكونه، ما دفع كثيرين إلى البقاء في مناطق محدودة، رغم شح الموارد وغياب الخدمات.

وتتزامن هذه الأوضاع مع انتشار المجاعة في ولايات عدة، بينها شمال دارفور وجنوب كردفان، ما يزيد من هشاشة أوضاع البدو الذين يعتمدون على نمط حياة يتطلب حرية الحركة وتوافر المراعي.

ويرى مختصون أن معالجة أزمة البدو في السودان لا يمكن أن تقتصر على الحلول العسكرية، بل تتطلب برامج اجتماعية شاملة لمواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز سيادة القانون، وإطلاق مسارات مصالحة مجتمعية تعيد ترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزق بفعل الحرب.

ويؤكد هؤلاء أن استمرار الصراع دون حلول جذرية ينذر بمزيد من التفكك، ليس فقط للبدو الرحل، بل للمجتمع السوداني بأكمله، في ظل غياب الأمن، وتراجع الدولة، وتصاعد النزعات القبلية والعرقية.