تتصاعد الشكوك لدى أوساط فلسطينية رسمية وفصائلية، إضافة إلى جهات إقليمية ودولية، بشأن قدرة «اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة» على تسلّم مهامها الفعلية، والقيام بدور يساعد في تجاوز الأزمات المتراكمة التي يعيشها القطاع منذ سنوات، في ظل جملة من العقبات المعقدة، يتصدرها منع إسرائيل دخول اللجنة إلى غزة، إلى جانب إجراءات داخلية تتخذها حركة «حماس»، يُنظر إليها على أنها تزيد من تعقيد مهمة اللجنة، وتضع علامات استفهام حول مستقبل عملها.
عراقيل إسرائيلية تتجاوز مسألة الدخول
ولا تقتصر العراقيل الإسرائيلية، بحسب مصادر فلسطينية مطلعة، على منع أعضاء اللجنة، أو بعضهم، من دخول قطاع غزة لمباشرة مهامهم، بل تمتد إلى إثارة قضايا سياسية وإدارية إضافية، من بينها الاعتراض على الشعار الخاص باللجنة، باعتباره منبثقاً عن شعار السلطة الفلسطينية، إضافة إلى اشتراطات سياسية وأمنية، أبرزها مطالبة إسرائيل بنزع سلاح حركة «حماس» قبل السماح بوجود أي جهة أخرى لإدارة شؤون القطاع.
وتؤكد المصادر أن هذه الشروط تمثل عقبة حقيقية أمام انطلاق عمل اللجنة، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، وعدم وجود توافق فلسطيني – إسرائيلي حول آلية إدارة المرحلة المقبلة في غزة.
ضغوط دولية دون نتائج ملموسة
ورغم الضغوط الأميركية المتواصلة على إسرائيل للدفع باتجاه إنجاح عمل اللجنة الوطنية، التي تعمل بمرجعية كاملة من الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام» برئاسة المنسق الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف، فإن تل أبيب ما زالت تماطل في منح التصاريح اللازمة لدخول أعضاء اللجنة إلى القطاع، وهو ما يعطل بدء عملها على الأرض بشكل فعلي.
وتشير مصادر قريبة من الملف إلى أن المجتمع الدولي، وإن كان يعلن دعمه للجنة، إلا أن أدوات الضغط المتاحة لا تزال محدودة، في ظل تشابك الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بغزة.
إجراءات «حماس» تزيد من التعقيد
وبحسب مصادر فلسطينية مطلعة تحدثت ، فإن العقبات لا تقتصر على الجانب الإسرائيلي فقط، بل تشمل أيضاً خلافات داخلية تتعلق بإجراءات حكومية اتخذتها حركة «حماس» داخل قطاع غزة، ما يثير مخاوف من تعقيد مهام اللجنة لاحقاً.
وتوضح المصادر أن «حماس» قامت بتعيين وكلاء وزارات، ومديرين عامين، وقادة أجهزة أمنية، ليس فقط قبل الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية، بل استمر ذلك حتى بعد تشكيلها، وحتى في الأيام الأخيرة، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل اللجنة نفسها، وكذلك لدى أطراف فلسطينية وإقليمية، حول ما إذا كانت هناك نية حقيقية لتسليم إدارة القطاع بشكل كامل.
موقف «حماس»: تسيير مؤقت لا يتعارض مع التسليم
في المقابل، تقول مصادر من حركة «حماس» إن قيادة الحركة أكدت للوسطاء، وخاصة الجانب المصري، أن هذه التعيينات لا تتعارض مع قراراتها بتسهيل مهمة تسليم الحكم للجنة الوطنية، وأن الهدف منها هو ضمان استمرار العمل الحكومي وتسيير شؤون المواطنين إلى حين وصول اللجنة ومباشرتها مهامها
وتشدد الحركة، وفق المصادر، على أن أي فراغ إداري أو أمني قد يؤدي إلى فوضى داخل القطاع، وهو ما تسعى لتجنبه في هذه المرحلة الحساسة.
لجنة فصائلية وبروتوكول تسليم مثير للجدل
غير أن مستوى التشكيك ارتفع، بحسب مصادر مقربة من «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، مع إعلان تشكيل لجنة فصائلية تضم ممثلين عن فصائل فلسطينية وشخصيات محسوبة على «حماس»، للإشراف على عملية تسليم العمل الحكومي للجنة، ضمن ما يعرف بـ«بروتوكول التسليم والتسلّم الحكومي».
وتقول المصادر إن تساؤلات جدية بدأت تُطرح داخل اللجنة وخارجها، وحتى داخل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»، حول ما إذا كانت «حماس» تسعى من خلال هذه اللجنة الفصائلية إلى فرض وجود أطراف قريبة منها، تكون لاحقاً عامل ضغط على اللجنة الوطنية، وتحد من استقلالية قرارها.
أسباب تأجيل الزيارة… والسبب الحقيقي
وبحسب المصادر نفسها، فإن هذا الجدل يُعد أحد أسباب تأجيل زيارة أعضاء اللجنة إلى قطاع غزة، رغم أن السبب المباشر المعلن يبقى رفض إسرائيل منحهم تصاريح الدخول.
في المقابل، تنفي مصادر «حماس» هذه الاتهامات، مؤكدة أن تشكيل اللجنة الفصائلية يهدف إلى ضمان عملية تسليم سلسة، وشفافة، سياسياً وإدارياً، وبما يحفظ الاستقرار الداخلي.
تنسيق مصري ودعم معلن
وتوضح مصادر من الحركة أن اللجنة الفصائلية تضم شخصيات من العشائر والمجتمعالمدني، وقد جرى تشكيلها بتنسيق مع الفصائل الفلسطينية المختلفة، وبالتشاور مع الجانب المصري، الذي رحب بهذه الخطوة باعتبارها داعمة لعمل اللجنة الوطنية داخل غزة.
وتبدي «حماس» استغرابها من التشكيك في نيات هذه اللجنة، مؤكدة أن التعليمات الصادرة من قيادة الحركة واضحة وصارمة، وتهدف إلى تسهيل عمل اللجنة في جميع الملفات، بما في ذلك الشق الأمني.
خلافات حول أسماء داخل اللجنة
في سياق متصل، تكشف مصادر مقربة من اللجنة الوطنية أن «حماس»، ورغم موافقتها المعلنة على تشكيل اللجنة، ما زالت تطالب بإزالة بعض الأسماء المرشحة لإدارة ملفات حكومية حساسة، وهو ما قوبل بالرفض من اللجنة الوطنية، والهيئة التنفيذية، وكذلك من الوسطاء.
وتشير المصادر إلى أن الحركة نجحت سابقاً في إزالة اسم واحد بالفعل، في إطار محاولة الحفاظ على الاستقرار الداخلي، إلا أنها عادت وطلبت مجدداً إزالة اسم سامي نسمان، الضابط المتقاعد في جهاز مخابرات السلطة الفلسطينية، والذي سبق أن صدرت بحقه أحكام قضائية من حكومة «حماس» بتهم أمنية.
كما سبق لـ«حماس» الاعتراض على تعيين رامي حلّس، أحد الدعاة المحسوبين على حركة «فتح»، مسؤولاً عن دائرة الأوقاف، ويبدو أنها نجحت في استبعاده بعد جدل واسع أثارته منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي.
زيارة رمزية وأزمة مالية خانقة
وكان أعضاء «اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة» قد أجروا زيارة عمل إلى معبر رفح البري، ومركز نقل المساعدات باتجاه القطاع، في أول تحرك ميداني لهم، إلا أن هذه الزيارة بقيت رمزية، في ظل عدم بدء اللجنة بأي مهام فعلية حتى الآن.
وتعاني اللجنة من أزمة مالية حادة، وعدم تحويل أي موازنة تشغيلية لها، ما يزيد من صعوبة انطلاق عملها في حال سُمح لها بالدخول إلى غزة.
وفي الوقت الذي حاولت فيه «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق رسمي من اللجنة حول هذه القضايا، أفادت مصادر مطلعة بوجود تعليمات صارمة بعدم الإدلاء بأي تصريحات، خصوصاً فيما يتعلق بالملفات الخلافية، بانتظار اتضاح الصورة السياسية والأمنية بشكل أكبر.