في خطوة لافتة تعكس تحوّلًا في مقاربة الخرطوم للتعاون الإقليمي، أعلنت الحكومة السودانية، اليوم الاثنين، استئناف نشاطها الكامل في منظمة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا “إيجاد”، بعد نحو عامين من تجميد مشاركتها في أنشطة المنظمة. ويأتي هذا القرار في ظل تعقيدات إقليمية متزايدة، وتحديات أمنية وسياسية تشهدها منطقة القرن الأفريقي، ما يضفي على الخطوة أبعادًا تتجاوز الإطار البروتوكولي إلى حسابات الاستقرار الإقليمي والدولي.
منظمة إيجاد
تُعد الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا “إيجاد” واحدة من أبرز المنظمات الإقليمية في القارة الأفريقية، إذ تأسست بصيغتها الحالية عام 1996 امتدادًا لهيئة سابقة أُنشئت في ثمانينيات القرن الماضي لمواجهة أزمات الجفاف والتصحر. ومع تطور التحديات في الإقليم، توسعت مهام المنظمة لتشمل قضايا السلم والأمن، والتنمية الاقتصادية، والتكامل الإقليمي، والتعاون السياسي بين الدول الأعضاء.
تضم “إيجاد” في عضويتها دولًا محورية في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، من بينها جيبوتي، إثيوبيا، كينيا، أوغندا، الصومال، السودان، جنوب السودان، وإريتريا.
ومنذ تأسيسها، لعبت المنظمة أدوارًا مهمة في الوساطة السياسية، وتسوية النزاعات، ودعم عمليات السلام، لا سيما في الصومال وجنوب السودان، إلى جانب مبادراتها في مجالات الأمن الغذائي، ومكافحة الإرهاب، والتغير المناخي، والهجرة. وتُنظر إلى “إيجاد” باعتبارها منصة إقليمية أساسية لتنسيق المواقف وتعزيز الحوار بين دول الإقليم في مواجهة التحديات المشتركة.
خلفية قرار التجميد والعودة
كان السودان قد قرر تجميد مشاركته في أنشطة “إيجاد” قبل نحو عامين، على خلفية تباينات في الرؤى والمواقف بشأن عدد من الملفات، وفي مقدمتها طريقة تعاطي المنظمة مع الشأن السوداني الداخلي. وقد رأت الخرطوم آنذاك أن بعض التحركات لا تنسجم مع مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ تؤكد عليه المواثيق المؤسسة للمنظمات الإقليمية والدولية.
غير أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من مراجعات داخل أروقة المنظمة، فتحت الباب أمام عودة السودان إلى مقعده الطبيعي داخل “إيجاد”، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها تصب في مصلحة الأمن والاستقرار الإقليميين.
موقف الحكومة السودانية
وأكدت الحكومة السودانية، في بيان صادر عن وزارة الخارجية، أن قضايا الأمن والسلم الدوليين تأتي في صدارة أولوياتها، وأنها تبذل قصارى جهدها للحفاظ على الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح البيان أن الخرطوم تؤمن بأن التعاون الإقليمي يمثل حجر الأساس الذي تُبنى عليه آفاق التعاون الدولي، وأن العمل المشترك بين دول الإقليم هو السبيل الأمثل لمواجهة التحديات العابرة للحدود.
وأشار البيان إلى أن قرار استئناف النشاط الكامل في “إيجاد” جاء اتساقًا مع بيان سكرتارية المنظمة، الذي أكد التزامها الصارم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، واحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، وهي مبادئ اعتبرتها الخرطوم جوهرية لأي تعاون إقليمي فعّال.
دور قيادة إيجاد في تهيئة الأجواء
ثمّنت الحكومة السودانية الجهود التي بذلتها قيادة “إيجاد” خلال الفترة الماضية، مشيدة بالدور الإيجابي لرئيس جمهورية جيبوتي، إسماعيل عمر جيليه، بصفته رئيس الدورة الحالية للمنظمة. كما أعربت عن تقديرها للجهود التي قام بها وزير الخارجية الجيبوتي عبد القادر حسين، بصفته رئيس المجلس الوزاري، إلى جانب السكرتير التنفيذي للمنظمة ورقنة قبيهو.
وساهمت هذه التحركات الدبلوماسية، وفق مراقبين، في تهيئة مناخ من الثقة المتبادلة، وفتح قنوات حوار بنّاءة مع الخرطوم، ما أفضى في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار العودة.
الأبعاد السياسية والإقليمية للقرار
تحمل عودة السودان إلى “إيجاد” دلالات سياسية مهمة، إذ تعكس رغبة الخرطوم في الانخراط مجددًا في محيطها الإقليمي، والمشاركة في صياغة الحلول الجماعية للأزمات التي تواجه المنطقة. كما تعزز هذه الخطوة من فرص التنسيق في ملفات حيوية، مثل أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وحركة اللاجئين، والتعاون الاقتصادي.
ويرى محللون أن مشاركة السودان الفاعلة في المنظمة يمكن أن تسهم في تقوية دور “إيجاد” كوسيط إقليمي، خاصة في ظل ما يتمتع به السودان من موقع جغرافي محوري، وعلاقات متشابكة مع دول الإقليم.
انعكاسات محتملة على التعاون الدولي
من شأن استئناف السودان لنشاطه في “إيجاد” أن ينعكس إيجابًا على علاقاته مع الشركاء الدوليين، إذ غالبًا ما يُنظر إلى الالتزام بالعمل الإقليمي المشترك كعامل مهم في تعزيز الثقة الدولية. كما قد يفتح القرار آفاقًا جديدة للدعم الفني والاقتصادي، من خلال البرامج والمبادرات التي تنفذها المنظمة بالتعاون مع شركاء دوليين.
آفاق المرحلة المقبل
مع عودة السودان إلى “إيجادتتجه الأنظار إلى كيفية تفعيل هذا الحضور على أرض الواقع، ومدى قدرة الخرطوم على الإسهام بفعالية في برامج ومبادرات المنظمة.
ويأمل مراقبون أن تشكل هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة من التعاون البنّاء، تقوم على الاحترام المتبادل، وتغليب المصالح المشتركة، بما يعزز الاستقرار والتنمية في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي بأسره.