أودعت السلطات القضائية في الجمهورية التونسية القاضي المعزول هشام خالد السجن، على خلفية اتهامه بنشر تدوينات اعتُبرت «مسيئة» للرئيس التونسي قيس سعيّد، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية داخل البلاد.
وأفادت مصادر قانونية مطلعة بأن النيابة العامة التونسية أصدرت ثلاث بطاقات إيداع بالسجن دفعة واحدة بحق القاضي هشام خالد، وذلك عقب التحقيق معه في ثلاثة محاضر منفصلة، تتعلق جميعها بمحتوى نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، انتقد فيه سياسات الرئيس التونسي وإدارته لشؤون الحكم.
وبحسب محامين يتولون الدفاع عن القاضي المعزول، فإن التهم الموجهة إليه تستند إلى الفصل المتعلق بـ«الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات»، وهو فصل قانوني يثير منذ سنوات نقاشاً واسعاً في تونس بشأن حرية التعبير وحدودها في الفضاء الرقمي.
الجرائم الإلكترونية قد أوقفت هشام خالد، يوم الخميس الماضي، قبل إحالته إلى التحقيق، في إجراء يأتي بعد يومين فقط من إيداع النائب في البرلمان التونسي أحمد السعيداني السجن، بتهم مماثلة، إثر نشره تدوينات ساخرة وناقدة للرئيس التونسي قيس سعيّد.
ويرى متابعون أن هذا التزامن الزمني يعكس تشدداً متزايداً من قبل السلطات التونسية في التعامل مع الأصوات المنتقدة للرئاسة، لا سيما تلك الصادرة عن شخصيات عامة أو مسؤولين سابقين.
ويُعد هشام خالد واحداً من أكثر من 50 قاضياً تونسياً أصدر الرئيس التونسي قيس سعيّد قراراً بإعفائهم من مناصبهم في عام 2022، بدعوى تورطهم في قضايا فساد أو تعطيل ملفات تتعلق بالإرهاب، وهي قرارات أثارت آنذاك موجة انتقادات داخلية وخارجية.

ورغم أن المحكمة الإدارية التونسية ألغت لاحقاً غالبية قرارات الإعفاء، معتبرة إياها غير مستوفية للإجراءات القانونية، فإن الحكومة التونسية لم تصدر حتى الآن أي أوامر رسمية بإعادة القضاة المعنيين، ومن بينهم هشام خالد، إلى مناصبهم القضائية.
ووفقاً لما تنص عليه مجلة «قانون» المعمول بها في تونس، فإن «كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات يُعاقَب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وسنتين، وبخطية مالية تتراوح بين 100 وألف دينار تونسي».
غير أن منظمات حقوقية تونسية ودولية تعتبر أن توسيع تفسير هذا الفصل يُستخدم أحياناً لتقييد حرية التعبير، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل حول مسار الحريات في تونس منذ القرارات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في يوليو (تموز) 2021.
ويرى محللون أن توقيف شخصيات قضائية وبرلمانية سابقة بتهم تتعلق بالتدوينات والآراء المنشورة على الإنترنت قد تكون له انعكاسات سياسية وقانونية، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة التونسية بشأن استقلال القضاء وضمانات حرية الرأي.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات التونسية أن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار تطبيق القانون دون استثناء، تشدد أطراف معارضة على ضرورة الفصل بين النقد السياسي المشروع وبين الجرائم الجنائية، محذرة من تأثير هذه القضايا على صورة تونس الحقوقية إقليمياً ودولياً.