ناقش المسار الأمني ضمن الحوار الليبي المُهيكل، خلال اجتماعه الثاني، أبرز أسباب عدم الاستقرار في دولة ليبيا، مع التركيز على تعزيز آليات منع النزاعات، وتوطيد اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 2020، ومعالجة العوامل البنيوية التي تغذي حالة الانقسام الأمني والسياسي في البلاد.
وانعقد الاجتماع، الذي استمر لمدة خمسة أيام خلال الفترة من 1 إلى 5 فبراير الجاري، بتيسير من أعضاء المكتب التنسيقي للحوار وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بمشاركة شخصيات أمنية ليبية، وعدد من الأعيان، إلى جانب ممثلين عن منظمات المجتمع المدني من مختلف مناطق البلاد.
وبحسب ما صدر عن المشاركين، تصدرت مسألة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية جدول الأعمال، حيث اتفق الحاضرون على أن تحقيق السلام المستدام في ليبيا يرتبط بشكل وثيق بإنهاء حالة الانقسام المؤسسي، ودمج الجنوب الليبي في الهياكل الوطنية، وتحسين أمن الحدود، إلى جانب سحب القوات الأجنبية والمرتزقة عندما تسمح الظروف الميدانية بذلك.
كما شدد المشاركون على أهمية إنفاذ هدنة طرابلس الموقعة في مايو 2025، باعتبارها خطوة أساسية نحو تثبيت الاستقرار وتهيئة المناخ لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
وتناول الاجتماع دور الوساطة المجتمعية في احتواء النزاعات المحلية، حيث اتفق أعضاء المسار على ضرورة الانتقال من أسلوب إدارة الأزمات كاستجابة طارئة، إلى نهج وقائي استباقي يهدف إلى منع اندلاع العنف وتعزيز التماسك الاجتماعي. وأكدوا الدور المحوري الذي يؤديه القادة المجتمعيون، والنساء، والشباب، والأشخاص ذوو الإعاقة في تخفيف حدة التوترات داخل مجتمعاتهم في مختلف أنحاء ليبيا.
وفي هذا السياق، قال أحمد عمر، عضو المسار الأمني من مدينة أجدابيا الليبية، إن للمرأة دورًا أساسيًا في عمليات الوساطة، موضحًا أن طبيعة النزاع تحدد شكل هذا الدور، خاصة في النزاعات ذات الطابع المؤسسي، حيث يمكن للمرأة أن تسهم بفاعلية إذا كانت على دراية بجذور الخلاف. وأشار إلى أن مشاركة المرأة في الوساطة وبناء المؤسسات لا تزال بحاجة إلى دعم أكبر من الدولة الليبية.

وأوصى المشاركون بإنشاء إطار وطني شامل للوساطة ومنع النزاعات، يتولى تنسيق عمل الوسطاء المعتمدين، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، واعتماد معايير واضحة ومدونة سلوك تضمن الحياد والمهنية.
من جانبها، أكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، أن الحد من العنف المجتمعي عبر آليات الوساطة المحلية والوطنية يمثل عنصرًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار، مشيرة إلى أن العديد من النزاعات في ليبيا ذات طابع محلي، ويمكن حلها من خلال حلول تنبع من داخل المجتمعات نفسها.
وشهدت جلسات الحوار تأكيدًا متكررًا على أهمية إشراك إقليم فزان في الهياكل الأمنية، نظرًا لأهميته الاقتصادية والإستراتيجية، مع الدعوة إلى وضع خارطة طريق تدريجية لإعادة هيكلة القوات في غرب البلاد، تمهيدًا لتوحيد الجيش الليبي وتجريم تجنيد الميليشيات.
كما ركزت التوصيات على دعم جهود اللجنة العسكرية المشتركة الليبية "5+5"، وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل، إلى جانب الدعوة لاعتماد ميثاق شرف وطني ملزم للحد من خطاب الكراهية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
وأكد المشاركون ضرورة احتكار الدولة الليبية للسلاح، مع اقتراح إطلاق برنامج وطني للتنمية الاقتصادية لإعادة دمج عناصر التشكيلات المسلحة غير النظامية في الحياة المدنية.
ومن المقرر أن يعقد المسار الأمني اجتماعه المقبل بعد شهر رمضان، لمواصلة مناقشة إصلاح القطاع الأمني وحوكمته، بالتوازي مع مسارات الحوار الأخرى المتعلقة بالحوكمة والاقتصاد وحقوق الإنسان والمصالحة الوطنية.