دراسات وأبحاث

جزر فارو تحت مجهر القوى الكبرى.. صراع النفوذ في شمال الأطلسي يشتد

الأحد 08 فبراير 2026 - 03:12 م
جهاد جميل
الأمصار

بينما احتلت أزمة جرينلاند وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشرائها العناوين العالمية، يظل إقليم دنماركي آخر أقل صخبًا لكنه حيوي، وهو أرخبيل جزر فارو في شمال المحيط الأطلسي. 

وتقع الجزر بين أيسلندا واسكتلندا على مشارف القطب الشمالي، في قلب ما يعرف بـ«فجوة غرينلاند–أيسلندا–المملكة المتحدة»، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية عالميًا بعرض لا يتجاوز 200 ميل. 

هذا الممر يعد شريانًا حيويًا للغواصات النووية الروسية ويشهد دوريات مستمرة لقوات الناتو، ما يجعل الجزر محل اهتمام القوى الكبرى.

اقتصاد قوي واستقلالية محلية

رغم صغر حجمها، طورت جزر فارو اقتصادًا محليًا يعتمد بشكل رئيسي على صادرات سمك السلمون، والتي تُقدر قيمتها بنحو مليار دولار سنويًا، هذا النجاح الاقتصادي منح السكان استقلالية نسبية ورفع مستوى معيشتهم، ما عزز شعورهم بالقدرة على إدارة شؤونهم بعيدًا عن كوبنهاغن.

وتعود جذور الطموحات نحو الاستقلال إلى استفتاء عام 1946، حين صوتت أغلبية ضئيلة لصالح الانفصال، لكن القرار أُلغي بتدخل ملك الدنمارك.

تاريخ الصراع على الحكم الذاتي

على مدار العقود، ظل حلم الاستقلال حاضرًا لكنه اصطدم بواقع اقتصادي وسياسي معقد.

 فعام 2000، حين سعت الجزر للتفاوض على السيادة الكاملة، هددت الدنمارك بقطع الدعم المالي، ما دفع الفارويين للتراجع مؤقتًا. 

ومع تحسن الاقتصاد المحلي في السنوات الأخيرة، عاد النقاش حول توسيع الحكم الذاتي وربما الوصول إلى استقلال كامل، لكنه تأثر مباشرة بالتهديدات الأمريكية بشراء غرينلاند، ما دفع الجزر لتعليق أي مفاوضات جديدة مع كوبنهاغن حتى استقرار الوضع الإقليمي.

التوازن بين الطموح والأمن

يرى القادة المحليون أن المرحلة الراهنة تتطلب ضبط النفس والتعاون مع الدنمارك بدل التصعيد.

 وقال رئيس الوزراء أكسل يوهانسن: «هناك إجماع سياسي على تغيير العلاقة مع الدنمارك، لكن المرحلة الراهنة تتطلب التماسك وليس التصعيد».

 ويضيف ممثل الجزر في البرلمان الدنماركي، سيوردور سكالي: «بدون الناتو، قد تتعرض جزر فارو لتهديدات جدية من القوى الكبرى في أي وقت».

النفوذ الدولي: الولايات المتحدة وروسيا والصين

لم تغب الأهمية الاستراتيجية للجزر عن أنظار الصين، ففي 2019 حاولت شركة “هواوي” تحديث شبكة الاتصالات مقابل توسيع التبادل التجاري، لكن ضغوطًا أمريكية حالت دون إتمام الصفقة.

 كما ازدادت السفن الحربية الأمريكية وسفن الناتو في موانئ الجزر، بينما تستمر السفن الروسية في الرسو، ما يثير مخاوف محلية من استخدام هذه السفن لأغراض استخباراتية أو عسكرية، خصوصًا مع العقيدة البحرية الروسية الجديدة بعد حرب أوكرانيا، التي تسمح باستخدام السفن المدنية لأغراض عسكرية عند الضرورة.

الحياة اليومية وسط القلق الجيوسياسي

رغم التوترات، تستمر الحياة اليومية في جزر فارو بشكل طبيعي، من مطاعم تقدم الأطعمة المحلية مثل لحم الضأن المخمّر، إلى شبكة أنفاق متطورة تشمل دوارًا تحت سطح البحر. 

لكن السكان يدركون أن الطموح نحو الاستقلال يجب أن يُوازن مع الواقع الأمني الدولي، ما يجعل أي خطوة نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال قرارًا حساسًا يتطلب دراسة دقيقة.

نهج التضامن مع كوبنهاغن

يفضل كثير من السياسيين الفارويين حالياً اتباع نهج «حسن النية والتضامن» مع كوبنهاغن وغرينلاند، كخطوة استراتيجية للتعامل مع الوضع الدولي المعقد، مع الحفاظ على طموحاتهم المستقلة على المدى البعيد. 

وقال النائب المؤيد للاستقلال، بيارني كاراسون بيترسن: «ربما لا يكون هذا الخيار الأذكى تفاوضيًا، لكنه يعكس التضامن في وقت عصيب ويؤكد وعي الجزر بالمخاطر المحيطة».

وتظل جزر فارو نموذجًا فريدًا لتقاطع الاقتصاد المحلي القوي مع الجغرافيا الاستراتيجية الحساسة، ما يجعلها نقطة محورية في صراع النفوذ في شمال الأطلسي، بين طموحات الاستقلال المحلي ومطالب القوى الكبرى، في مشهد دولي متقلب يعيد رسم خرائط الأمن البحري والسياسي في المنطقة.