اختُتمت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وسط أجواء حذرة تجمع بين التفاؤل المحدود والشكوك العميقة.
ورغم وصفها من الطرفين بأنها «بداية جيّدة»، فإنها لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، في ظل تمسّك كل طرف بشروطه الأساسية، وبقاء فجوة الثقة العميقة دون معالجة فعلية.

الجولة التي جرت بوساطة عُمانية، وبقيادة وزير الخارجية بدر البوسعيدي، عكست رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، من دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الخلافية الأكثر حساسية.
وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المحادثات بأنها «إيجابية للغاية»، مؤكداً وجود تفاهم مبدئي على مواصلة المسار التفاوضي، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «انعدام الثقة» يبقى التحدي الأكبر أمام أي تقدم حقيقي. وأوضح أن استمرار المباحثات مرهون بمشاورات داخلية في طهران وواشنطن لتقييم نتائج الجولة الأولى وتحديد سقف المرونة الممكنة.
في المقابل، جاءت الرسائل الأميركية مزدوجة؛ فبينما أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بما وصفه «محادثات جيدة جدًا»، وأعلن عن جولة جديدة مطلع الأسبوع المقبل، حرصت واشنطن على موازاة المسار الدبلوماسي بضغط سياسي وعسكري، عبر إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر ضمن الوفد، في خطوة حملت دلالات ردعية واضحة.

بحسب دبلوماسيين مطلعين، أبدى المفاوضون الأميركيون تفهّمًا نسبيًا لبعض المواقف الإيرانية الأساسية، لا سيما ما يتعلق بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يُعد تطورًا لافتًا مقارنة بمواقف سابقة. إلا أن طهران، في المقابل، استبعدت بشكل قاطع أي حديث عن «تصفير التخصيب»، مع إبداء استعداد مشروط لبحث مستويات التخصيب أو آليات بديلة للرقابة.
في المقابل، لم يُطرح ملف القدرات الصاروخية الإيرانية خلال الجولة، رغم إصرار واشنطن العلني على ضرورة إدراجه ضمن أي اتفاق شامل، إلى جانب ملف دعم طهران لفصائل مسلحة في المنطقة. هذا التباين يعكس فجوة جوهرية بين ما تريده الولايات المتحدة من اتفاق موسّع، وما تقبل إيران بحثه ضمن إطار نووي ضيّق.
لم تمضِ ساعات على انتهاء الجولة حتى أعلنت واشنطن فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني، شملت كيانات وسفن وأفرادًا، في رسالة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لرفع كلفة المماطلة الإيرانية، وتذكير بأن المسار الدبلوماسي لا يعني تخفيف الضغط.
في الوقت ذاته، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، بنشر حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها الضاربة، فيما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في حال تعرضها لهجوم.
هذا التوازي بين التفاوض واستعراض القوة يعكس طبيعة المرحلة، حيث تُدار المفاوضات تحت سقف التهديد المتبادل.

تأتي محادثات مسقط في سياق إقليمي بالغ الحساسية، عقب حرب قصيرة ومكثفة شنتها إسرائيل على إيران في يونيو الماضي بدعم أميركي غير مباشر، إضافة إلى اضطرابات داخلية شهدتها إيران، تسببت في سقوط آلاف القتلى وفق أرقام رسمية ومنظمات حقوقية.
هذه المعطيات تضع القيادة الإيرانية أمام معادلة معقدة: الحاجة إلى تخفيف الضغط الخارجي، مقابل الحرص على عدم تقديم تنازلات تُفسَّر داخليًا على أنها رضوخ للتهديد.
قد تشهد الجولة المقبلة توافقًا أوليًا على إجراءات بناء ثقة، مثل تجميد مؤقت لبعض أنشطة التخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات، أو تعزيز آليات الرقابة الدولية، دون الوصول إلى اتفاق شامل.
وهو السيناريو الأرجح على المدى القريب، حيث تستمر اللقاءات دون اختراق فعلي، مع تبادل رسائل سياسية وضغوط متبادلة، بانتظار تغير في الحسابات الداخلية لدى أحد الطرفين.
في حال فشل الجولات المقبلة، قد تعود واشنطن إلى تشديد العقوبات، أو تلويح بخيارات غير دبلوماسية، فيما ترد إيران برفع مستويات التخصيب أو توسيع أنشطتها النووية، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

محادثات مسقط فتحت نافذة دبلوماسية ضيقة، لكنها لم تُحدث اختراقًا حقيقيًا بعد، النجاح في تحويل «البداية الجيدة» إلى مسار مثمر سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز انعدام الثقة، وفصل التفاوض النووي عن مناخ التهديد والعقوبات. وحتى ذلك الحين، ستظل المفاوضات تدور في مساحة رمادية بين الحوار والضغط، بانتظار قرار سياسي كبير لم يُتخذ بعد.