دراسات وأبحاث

وثيقة الإخفاق الكبير.. كيف حاول نتنياهو إعادة كتابة رواية 7 أكتوبر؟

السبت 07 فبراير 2026 - 12:12 ص
مصطفى سيد
الأمصار

في واحدة من أكثر الخطوات إثارة للجدل منذ اندلاع حرب غزة، نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وثيقة رسمية من 55 صفحة، ردًا على أسئلة مراقب الدولة ماتنياهو إنجلمان، في إطار مراجعة الإخفاقات التي سبقت هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

الوثيقة، التي كُشف عنها مساء الخميس، لم تمر مرور الكرام داخل إسرائيل، إذ فجّرت موجة انتقادات سياسية وأمنية حادة، واعتبرتها المعارضة محاولة منظمة لإعادة صياغة الأحداث، وتحميل المنظومة الأمنية وحدها مسؤولية واحد من أخطر الانهيارات الاستخبارية في تاريخ الدولة العبرية.

وبحسب ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فقد حُجبت ثلاث صفحات كاملة من الوثيقة، دون تفسير رسمي، في خطوة زادت من الشكوك حول طبيعة المعلومات التي لم يُسمح للرأي العام بالاطلاع عليها.

ورغم أن نتنياهو يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية منذ أكثر من 16 عامًا في فترات متقطعة، فإن الوثيقة خلت تمامًا من أي اعتراف مباشر بمسؤوليته السياسية عن الإخفاق الذي أدى إلى الهجوم.

وعوضًا عن ذلك، اعتمد رئيس الوزراء على أسلوب السرد الدفاعي، مستندًا إلى اقتباسات منتقاة من تقارير أمنية سابقة، ليؤكد أن التقديرات الاستخبارية التي قُدمت له آنذاك لم تُشر إلى خطر وشيك أو هجوم واسع النطاق من جانب حماس.

الوثيقة، في مجملها، لا تقدم مراجعة ذاتية بقدر ما تسعى إلى تثبيت رواية مفادها أن القيادة السياسية تصرفت وفق ما كان متاحًا لها من معلومات، وأن الخلل الحقيقي كان داخل غرف الاستخبارات والتقدير الأمني.

جذور الإخفاق.. كما يراها نتنياهو

وفي رده على سؤال مراقب الدولة حول أسباب الفشل الاستراتيجي، أعاد نتنياهو الإخفاق إلى قرارات اتُخذت قبل سنوات طويلة، أبرزها:

وبذلك، سعى نتنياهو إلى تصوير هجوم 7 أكتوبر كـ نتيجة تراكمات تاريخية، لا كفشل مباشر لحكومته أو لسياساته الأمنية في السنوات الأخيرة.

المنظومة الأمنية في قفص الاتهام

الجزء الأكبر من الوثيقة خُصص لتحميل الأجهزة الأمنية المسؤولية المباشرة، لا سيما الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك).

وكتب نتنياهو أن “جوهر الإخفاق يتمثل في فقدان التفوق الاستخباري والدفاعي تجاه حماس”، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية أكدت له مرارًا أن سياسة الردع كانت فعالة، وأن الحركة “مردوعة بعمق”.

وأضاف أن تلك الأجهزة فشلت في نقل صورة كاملة عن استعدادات حماس، رغم توفر معلومات لاحقة عن تدريبات وحشد غير اعتيادي لعناصرها قبل الهجوم.

ووفق الوثيقة، فإن التقدير الاستخباري السائد آنذاك قلّل من قدرة حماس، وحصر تهديدها في عمليات محدودة أو اقتحامات موضعية عبر الأنفاق، وهو ما انعكس على مستوى الجاهزية العسكرية.

قرار عدم الاستنفار

وكشفت الوثيقة عن اجتماع أمني حساس ترأسه رئيس الشاباك قبيل الهجوم، تم خلاله اتخاذ قرار بعدم رفع مستوى الاستعدادات العسكرية، خشية الوقوع في “سوء تقدير” قد يؤدي إلى تصعيد غير مبرر.

ويرى محللون أن إدراج هذه النقطة يهدف إلى التأكيد على أن القيادة السياسية لم تتجاهل التحذيرات، بل التزمت بتوصيات مهنية صادرة عن أعلى المستويات الأمنية.

«واتساب» في لحظة الانهيار

للمرة الأولى، قدّم نتنياهو رواية تفصيلية عن الساعات الأولى للهجوم، مؤكدًا أن أمينه العسكري أبلغه ببدء الهجوم عبر تطبيق «واتساب» في الساعة 6:29 صباحًا.

وبعد 15 دقيقة، أجرى اتصالًا ثانيًا، سأل خلاله عن إمكانية استهداف قيادة حماس، ومدى اتساع الهجوم، وإمكانية استدعاء قوات الاحتياط.

وتشير الوثيقة إلى أن مكتب رئيس الوزراء تلقى لاحقًا تقييمًا أمنيًا أعده رئيس الشاباك رونين بار في الساعة 5:15 صباحًا، أي قبل الهجوم بأكثر من ساعة، رجّح فيه أن احتمال شن هجوم واسع “منخفض”، مع عدم استبعاد هجوم محدود.

وأكد نتنياهو أن التقييم لم يتضمن توصية بإبلاغه بالتطورات الليلية، معتبرًا أن هذا البند أُضيف لاحقًا.

اغتيالات ورسائل تهديد

ومن أكثر ما أثار الصدمة في الوثيقة، إقرار نتنياهو صراحة بأن إسرائيل نفذت اغتيال القيادي في كتائب القسام مازن فقهاء عام 2017 عبر “قاتل مأجور”، في اعتراف نادر بسياسات ظلّت طي الكتمان.

كما أورد مقتطفات من تقييم استخباري في سبتمبر/أيلول 2023 أكد أن حماس غير معنية بمواجهة شاملة، وتسعى إلى تثبيت تفاهمات قائمة.

وفي اجتماع استخباري قبل الهجوم بأيام، خلص التقييم إلى أن حماس تعزز قوتها بوتيرة معتدلة، ولا تتجه إلى حرب متعددة الجبهات.

تصريحات قبل العاصفة

كشفت الوثيقة أيضًا عن اجتماع جمع نتنياهو برئيس الشاباك في يوليو/تموز 2023، أبلغه فيه الأخير بارتفاع التحذيرات الأمنية اليومية.

ورد نتنياهو حينها بعبارة لافتة: “اضربوهم بقوة… اقتلوا أحدهم”.

وهو ما اعتبره مراقبون دليلًا على تصعيد لفظي لم يُترجم إلى استعداد عملي على الأرض.

معارضة تتهم بالتلاعب

رد الفعل السياسي كان عنيفًا. إذ قال زعيم المعارضة يائير لابيد إن نتنياهو تلقى تحذيرات واضحة قبل 7 أكتوبر وتجاهلها، بينما وصف غادي آيزنكوت الوثيقة بأنها “انتقائية ومحرّفة”.

أما منظمة «مجلس أكتوبر»، المطالبة بلجنة تحقيق مستقلة، فرأت أن نشر الوثيقة بهذا الشكل محاولة لخلط الأوراق وتشويش الرأي العام.

رواية في مواجهة الحقيقة

بينما يسعى نتنياهو إلى تثبيت رواية تُبعد عنه المسؤولية المباشرة، تتزايد المطالب داخل إسرائيل بكشف الحقيقة الكاملة عبر لجنة تحقيق رسمية مستقلة.

فالوثيقة، رغم طولها، لم تُنهِ الجدل، بل عمّقته، وفتحت الباب أمام سؤال جوهري: هل كانت 55 صفحة كافية لتفسير أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل، أم أنها مجرد محاولة متأخرة لإعادة كتابة ما لا يمكن محوه؟