لم يكن اعتقال «نيكولاس مادورو» مُجرّد عملية دهم أرضية، بل سبقته مواجهة جوية مُعقّدة بين «واشنطن وكاراكاس» في ليلةٍ كانت السماء فيها شاهدة على تهاوي النظام. صراع إرادات وتكنولوجيا حسمته «المقاتلات الأمريكية» في الدقائق الأخيرة، مُجهضةً محاولات التأمين الجوي للرئيس الفنزويلي، لتسدل الستار على حُقبته الطويلة وتبدأ رحلته من القصر إلى خلف القضبان.
بصراحة غير مسبوقة، فجّر وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير بادرينو لوبيز، «قنبلة سياسية» بكشفه عن كواليس العملية الجوية الأمريكية الأخيرة، حيث لم يكتفِ لوبيز بسرد التفاصيل، بل نقل الأزمة إلى مستوى جديد من الخطورة، مُعلنًا عن أسرار عسكرية من «ليلة الصدام الجوي» التي حبست أنفاس كاراكاس الشهر الماضي.
وأُلقي القبض على «مادورو» في كاراكاس في 3 يناير الماضي، على يد قوات دلتا الأمريكية، ونُقل جوًا إلى نيويورك، حيث تتهمه الولايات المتحدة بتهريب الكوكايين وتزعُّم عصابة للاتجار فيها، بينما تولت نائبة الرئيس «ديلسي رودريجيز»، منصب الرئيس بالنيابة، في الوقت الذي ينتظر فيه مادورو وزوجته الجلسة الثانية من محاكمتهما.
بحسب ما نقلته صحيفة «إل ناسيونال»، كشف الوزير لوبيز، عن صدور أوامر مباشرة منه بمنع الطيارين الفنزويليين من الإقلاع للاعتراض، واصفًا القيام بذلك في ظلّ التفوق التكنولوجي الأمريكي بأنه كان «سيكون عملية انتحارية مُحققة».
وأوضح بادرينو لوبيز، أن الطيارين في القوات الجوية الفنزويلية كانوا على أهبة الاستعداد وفي حالة استنفار قصوى للتدخل والاشتباك مع الطائرات الأمريكية التي كانت تُنفذ العملية، وأكّد أن الروح القتالية كانت عالية، لكن «التقييم العسكري والميداني فرض واقعًا مغايرًا تمامًا».
تُشير التقارير إلى أن العملية الأمريكية -التي أفضت إلى القبض على مادورو وزوجته- اتسمت بـ«تغطية إلكترونية وتشويش مُكثف»، ما جعل الرادارات والدفاعات الفنزويلية في وضع «حرج»، وهو ما دفع القيادة العسكرية في كاراكاس للإقرار بصعوبة المواجهة المباشرة في ذلك التوقيت.

وقال لوبيز في تصريحاته: «كان طيارونا مستعدين للإقلاع والتضحية بأرواحهم للدفاع عن سيادتنا، لكنني اتخذت القرار الصعب بمنعهم»، مُشيرًا إلى أن استخدام طائرات الجيش في تلك اللحظة لم يكن أمرًا غير قابل للتطبيق فحسب، بل كان سيُعد إرسالًا لمن وصفهم بالأبطال نحو انتحار جماعي أمام منظومات جوية أمريكية متطورة للغاية.
لفت وزير الدفاع الفنزويلي إلى أن الإدارة العسكرية فضّلت «التراجع التكتيكي» على الدخول في مواجهة جوية «غير متكافئة»، مُعتبرًا أن حماية الكوادر البشرية والمعدات المتبقية كانت «الأولوية» في تلك اللحظة الحرجة، مُشددًا على أن فنزويلا ستُواصل إعادة تقييم إستراتيجياتها الدفاعية.
ويتهم الادعاء العام الأمريكي «مادورو» بإدارة شراكة إرهابية مع جماعات مسلحة لأكثر من عقدين، وتتضمن لائحة الاتهام الرسمية أربع تُهم رئيسية، هي المؤامرة لارتكاب إرهاب المخدرات، بهدف إغراق الولايات المتحدة بالكوكايين كقوة إضعاف وطنية، بجانب اتهامه بالتآمر لاستيراد الكوكايين عبر «كارتيل الشمس»، الذي يضم كبار قادة الجيش الفنزويلي، وحيازة أسلحة ثقيلة مثل الرشاشات والأجهزة التدميرية لحماية شحنات المخدرات، واتهامه بالتآمر لاستخدام تلك الأسلحة في تنفيذ أنشطة إجرامية دولية.
انتهت المواجهة، وبقي الاعتقال. سقط «مادورو» في اللحظة التي فقد فيها السيطرة على سمائه، لتتحوّل قصته من زعيم يُواجه الإمبراطورية إلى سجين يُواجه مصيره، تاركًا خلفه أسرار ليلةٍ لم تشفع فيها الدفاعات الجوية لإنقاذ «الرفيق» من قبضة واشنطن.