تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية واحدة من أكثر مراحلها توترًا وتعقيدًا، في ظل تصعيد متبادل يقترب من حافة الهاوية، ويعيد إلى الأذهان سيناريوهات الصدام المفتوح في إقليم يعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة. التصعيد الحالي لا يمكن عزله عن السياق العام للسياسة الأمريكية الجديدة، ولا عن حسابات الردع الإقليمي، ولا عن توازنات الطاقة والنفوذ في النظام الدولي.
يمثل التصعيد الأمريكي الأخير ضد إيران امتدادًا لنهج الضغوط القصوى الذي تبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ ولايته الأولى، حين قرر الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، معتبرًا إياه اتفاقًا لا يحقق المصالح الأمريكية ولا يحد من طموحات إيران النووية. وتراكمت الأزمات منذ ذلك الحين، وصولًا إلى المواجهة العسكرية غير المباشرة ثم المباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، والتي شهدت انخراطًا أمريكيًا مباشرًا عبر ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدا واضحًا أن السياسة الأمريكية تتجه إلى تصعيد محسوب، يجمع بين الضغط العسكري، والحصار الاقتصادي، والدعم السياسي لتحركات داخلية معارضة للنظام الإيراني.
شهدت الأسابيع الأخيرة إعادة انتشار مكثفة للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، شملت دفع حاملات طائرات ومدمرات إلى مناطق قريبة من إيران، إلى جانب استنفار القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج. هذا التحرك حمل رسائل ردع واضحة، مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة إذا ما تجاوزت طهران الخطوط الحمراء الأمريكية.
في المقابل، ردت إيران باستعراض قدراتها العسكرية، من خلال تنفيذ مناورات بالذخيرة الحية في مضيق هرمز، في إشارة مباشرة إلى قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. كما أكدت طهران أن أي استهداف أمريكي مباشر سيجعل القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة أهدافًا مشروعة.
لا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي الصادرة في ديسمبر 2025، والتي صنفت إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية. وتسعى إدارة ترامب إلى ترجمة هذه الإستراتيجية عمليًا، عبر منع تشكل أي قوى إقليمية أو دولية قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي.
ويظهر هذا التوجه في محاولات واشنطن تقويض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تحركات أمريكية مشابهة في أمريكا اللاتينية والإندوباسيفيك، في إطار سياسة أوسع لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية عالميًا.
يشكل الملف النووي أحد أبرز دوافع التصعيد، إذ ترى الولايات المتحدة أن إيران تقترب من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وهو ما تعتبره تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، الحليف الاستراتيجي الأهم لواشنطن في المنطقة. وقد أظهرت المواجهات الأخيرة محدودية قدرة إسرائيل على حسم الصراع منفردة، ما استدعى تدخلًا أمريكيًا مباشرًا لدعمها.
وفي المقابل، أثبتت إيران امتلاكها قدرات صاروخية متطورة، نجحت في تجاوز بعض منظومات الدفاع الإسرائيلية، ما عزز من معادلة الردع المتبادل، ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية شاملة.
يحتل النفط موقعًا محوريًا في الحسابات الأمريكية، إذ تدرك واشنطن أن السيطرة على مصادر الطاقة العالمية تظل أحد أهم أدوات النفوذ الدولي. وتمتلك إيران احتياطات نفطية وغازية ضخمة، تجعلها لاعبًا أساسيًا في سوق الطاقة العالمية، خصوصًا إذا ما تحررت من العقوبات.
وترى إدارة ترامب أن تغيير النظام في طهران قد يفتح الباب أمام شراكات اقتصادية جديدة، تضمن تدفق الطاقة وفق شروط أمريكية، وتقلص من نفوذ خصوم واشنطن، لا سيما الصين وروسيا، في قطاع الطاقة.
يحمل التصعيد الأمريكي رسائل متعددة، أولها أن الولايات المتحدة لم تنسحب من الشرق الأوسط، وأنها لا تزال الفاعل الأهم في معادلاته الأمنية. وثانيها توجيه رسالة لإيران بأن تحالفاتها مع قوى كبرى لن توفر لها مظلة حماية حقيقية في حال التصعيد. أما الرسالة الثالثة فتستهدف الحلفاء، وعلى رأسهم إسرائيل، لتأكيد التزام واشنطن بأمنهم وردع خصومهم.
يقف التصعيد الأمريكي الإيراني عند مفترق طرق حاسم، بين مسار تفاوضي قد يفرض تسوية جديدة بشروط أمريكية أكثر صرامة، ومسار تصعيدي قد ينزلق إلى مواجهة عسكرية واسعة، ستكون كلفتها باهظة على الطرفين وعلى الإقليم بأسره.
ويبقى العامل الداخلي الإيراني عنصرًا حاسمًا في ترجيح أي من السيناريوهين، إلى جانب قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها دون الانجرار إلى فوضى إقليمية شاملة. وبين حسابات القوة ومنطق الردع، يظل السؤال مفتوحًا: هل ينتصر صوت الحكمة أم تُدفع المنطقة مجددًا إلى حافة حرب لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها؟