دراسات وأبحاث

مفاوضات بلا آمال.. لماذا يتشكك المسؤولون الأمريكيون في جدوى لقاء إيران؟

الخميس 05 فبراير 2026 - 08:41 ص
مصطفى عبد الكريم
أمريكا و إيران
أمريكا و إيران

بضغوط عربية مُكثفة وشكوك أمريكية عميقة، تعود «واشنطن» لطاولة المفاوضات مع «طهران». اجتماعٌ تراه الإدارة الأمريكية «عديم الجدوى» قبل أن يبدأ، لكنها وافقت عليه «إرضاءً لحلفائها الإقليميين»، مما يجعله لقاءً لـ «رفع العتب» أكثر منه بحثًا عن حلول.

واشنطن ترضخ لضغوط الحلفاء

أفاد مسؤولون أمريكيون بأن الولايات المتحدة قررت المُضي قُدمًا في عقد اجتماع مع الجانب الإيراني بالعاصمة العُمانية «مسقط»، رضوخًا لضغوط مُكثفة من شركائها الإقليميين، حيث تأتي هذه الموافقة رغم سيادة حالة من «التشكيك العميق» داخل الإدارة الأمريكية حول إمكانية خروج اللقاء بنتائج ملموسة.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي قوله: «لقد طلبوا منا الحفاظ على الاجتماع والاستماع إلى ما يقوله الإيرانيون. أخبرنا العرب أننا سنعقد الاجتماع إذا أصروا على ذلك، لكننا متشككون للغاية».

ضغوط عربية تُحيي التفاوض

أضاف مسؤول أمريكي آخر، أن قرار عقد الاجتماع جاء «احترامًا» لطلب حلفاء واشنطن الإقليميين، و«من أجل مواصلة متابعة المسار الدبلوماسي»، رغم الشكوك الأمريكية من جدوى الاجتماع.

وبحسب «أكسيوس»، عادت خطط المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية في سلطنة عُمان، والمقررة يوم الجمعة، إلى الواجهة بعد أن مارس عدد من قادة دول عربية وإسلامية ضغوطًا عاجلة على إدارة ترامب، بعد ظهر يوم الأربعاء، مطالبين بعدم تنفيذ التهديدات الأمريكية السابقة بالانسحاب من المسار التفاوضي.

وأوضح مسؤولان أمريكيان، أن ما لا يقل عن تسع دول في المنطقة بعثت برسائل مباشرة إلى أعلى مستويات إدارة ترامب، حثت فيها بقوة على عدم إلغاء الاجتماع المُرتقب مع الجانب الإيراني، مُعتبرة أن استمرار الحوار، ولو بحدوده الدنيا، يبقى أفضل من انهيار القنوات الدبلوماسية بالكامل.

غياب الثقة يُهدّد التفاوض

وبين إصرار الحلفاء العرب وتشكيك الصقور في واشنطن، يدخل الحوار مع إيران «نفقًا مُظلمًا»، فالدبلوماسية التي تُبنى على «الضغط» لا على «الثقة»، نادرًا ما تصل إلى نهايات سعيدة.

عقيدة ترامب وحذر إيران.. رهان إقليمي على «لقاء الفرصة الأخيرة» لمنع الانفجار

بينما تحبس المنطقة أنفاسها على وقع طبول المواجهة، انطلقت في الكواليس تحركات مكوكية تقودها «عواصم شرق أوسطية»، في سباق مع الزمن لنزع فتيل انفجار عسكري يبدو «وشيكًا». هذا الحراك الإقليمي المُكثف يُراهن اليوم على «الخيار الصعب»، وهو الدفع نحو لقاء مباشر يجمع إدارة ترامب المُتمسكة بسياسة الضغوط القصوى، بالقيادة الإيرانية التي يُغلّف تحركاتها حذر شديد وترقُّب لنتائج أي مغامرة دبلوماسية. فهل ينجح الوسطاء في ترويض «شبح الحرب الكبرى» وإجبار الخصمين اللدودين على الانتقال من لغة التهديد إلى طاولة التفاوض؟

حراك دبلوماسي في الشرق الأوسط

في عُمق هذه المشهدية المُعقّدة، يبدو أن «الوسطاء الإقليميين» لا يكتفون بمُجّرد نقل الرسائل، بل يسعون لصياغة «منطقة وسُطى» تُوازن بين رغبة «ترامب» في تحقيق انتصار دبلوماسي سريع ومُبهر، وبين استراتيجية «إيران» التي تخشى الوقوع في فخ التنازلات تحت الضغط.

وبحسب تقارير دولية ومصادر دبلوماسية متطابقة، يشهد «الشرق الأوسط» حراكًا لتدشين حوار مباشر بين «الولايات المتحدة وإيران»، يهدف لنزع فتيل التصعيد قبل فوات الأوان، حيث تُسيطر مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة نحو صدام عسكري مباشر قد تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية للبلدين.

وأشارت التقارير إلى أن دولًا في المنطقة، من بينها «مصر وقطر وعُمان والمملكة العربية السعودية»، تبذل جهودًا مضنية لإقناع الجانبين بضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

الشروط تُعيق تقدُّم المفاوضات

وفقًا لـ«وول ستريت جورنال»، يهدف هذا الحراك الدبلوماسي إلى عقد اجتماع رفيع المستوى، يسعى في المقام الأول إلى «تجميد احتمالات وقوع هجوم مُتبادل، ووضع أطر لخفض التصعيد الميداني الذي بات يُهدّد أمن الممرات الملاحية واستقرار أسواق الطاقة العالمية».

وبحسب مصادر مطلعة لوكالة «رويترز»، فإن هذه الجهود لم تكتسب بعد الزخم المطلوب للوصول إلى خرق حقيقي، نتيجة ما وصفوه بجدار من الشروط المُتبادلة بين واشنطن وطهران، إذ تصرّ الإدارة الأمريكية على «ضرورة كبح جماح الفصائل الموالية لإيران في المنطقة كشرط مُسبق لأي تقارب».

في المقابل، ترفض «طهران» الانخراط في حوار دون الحصول على ضمانات واضحة تتعلق برفع العقوبات أو وقف التهديدات الموجهة لأمنها القومي.

تهديدات طهران أمام واشنطن

وفي رسالة وُصفت بـ «شديدة اللهجة»، حذّرت طهران من أن أي تحرُّك عسكري أمريكي سيجعل من الأهداف والمصالح الحيوية في المنطقة «صيدًا مشروعًا» لقواتها وحلفائها، وهو التصعيد الكلامي الذي قابله حذر أمريكي في التعاطي مع المقترحات الإقليمية، حيث تُوازن واشنطن بين رغبتها في تجنب حرب واسعة وبين الحفاظ على قوة ردعها أمام حلفائها في المنطقة.

ويرى مراقبون أن دور الوسطاء الإقليميين بات «أكثر تعقيدًا» مع دخول أطراف دولية أخرى على خط الأزمة، وتزايد الضغوط الداخلية في كلا البلدين، مُشيرين إلى أن الوقت «لم يعد في صالح الحلول الدبلوماسية الهادئة»، حيث يفرض التصعيد الميداني وتيرة أسرع من قدرة القنوات السياسية على الاحتواء.

لقاء دبلوماسي حاسم

وفي السياق ذاته، كشف مسؤولون إيرانيون لصحيفة «نيويورك تايمز» أن طهران، من أجل تهدئة الوضع، مُستعدة لإغلاق أو تعليق برنامجها النووي، وهو تنازل كبير، إلا أنها تُفضّل اقتراحًا قدّمته الولايات المتحدة العام الماضي بإنشاء اتحاد إقليمي لإنتاج الطاقة النووية.

وأوضح المسؤولون أنه من المتوقع أن يجتمع كبار المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين في العاصمة التركية «إسطنبول» يوم الجمعة، حيث يجمع اللقاء بين «ستيف ويتكوف وعباس عراقجي» لإجراء محادثات تهدف إلى تهدئة الأزمة بين بلديهما، ومن المتوقع أيضًا حضور مسؤولين رفيعي المستوى من تركيا وقطر ومصر.

وأكّدت المصادر، أن الأيام المُقبلة «ستكون حاسمة لمصير المبادرة»، إذ إما أن تُحقق القوى الإقليمية اختراقًا يُخفف من حِدة الأزمة، أو توُاجه المنطقة تداعيات تتجاوز الصراع الثنائي لتشمل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بأسره.

مصير المنطقة بين خيارين

في نهاية المطاف، يبقى «الرهان الإقليمي» مُعلّقًا بين إصرار ترامب على صياغة معادلة قوة جديدة، وبين حذر طهران من تقديم تنازلات مجانية تحت الضغط. وبينما تضع العواصم الوسُطى ثُقلها لإنجاح «لقاء الفرصة الأخيرة»، تظل المنطقة بأكملها رهينة لمدى قدرة الدبلوماسية على الصمود أمام طبول الحرب، فإما عبور آمن نحو تفاهمات كبرى، وإما انفجار تتجاوز شرارته كل التوقعات.