مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات ارتفاع المخاطر الأمنية حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، إلى جانب سلع استراتيجية أخرى.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي اضطراب مستمر في الملاحة عبر المضيق ستكون له آثار واسعة تمتد من اقتصادات الخليج إلى آسيا وأوروبا، وصولًا إلى الدول النامية منخفضة الدخل.
اقتصادات الخليج في مرمى التداعيات
تُعد دول الخليج العربية من بين الأطراف الأكثر تأثرًا بتصاعد المخاطر حول مضيق هرمز، نظرًا لاعتمادها الكبير على هذا الممر في عمليات التصدير والاستيراد. فالمضيق لا ينقل فقط شحنات النفط والغاز، بل يُعد أيضًا شريانًا حيويًا لواردات غذائية رئيسية، إضافة إلى صادرات الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية.
ومع اندلاع أي صراع أو تصعيد عسكري في محيط المضيق، ترتفع تلقائيًا فاتورة الواردات لدول الخليج، نتيجة زيادة تكاليف الشحن، وأقساط التأمين البحري، وتمويل المخزون الاستراتيجي، فضلًا عن ارتفاع تكاليف تشغيل الموانئ والخدمات اللوجستية. كما يفرض هذا الواقع ضغوطًا إضافية على سلاسل الإمداد المحلية، ويؤدي إلى زيادة كلفة الأمن اللوجستي وحماية خطوط النقل البحري.
المستوردون الآسيويون للطاقة
تأتي الدول الآسيوية المستوردة للطاقة، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، في مقدمة الخاسرين المحتملين من أي اضطراب في مضيق هرمز. وتشير البيانات إلى أن نحو 84% من تدفقات النفط الخام والمكثفات التي تعبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، إلى جانب 83% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وقرابة 69% من إجمالي خام ومكثفات المضيق.
وأي تعطل في هذه الإمدادات سيؤدي إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف الإنتاج الصناعي، وارتفاع أسعار الوقود، ما ينعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي في الاقتصادات الآسيوية الكبرى.
أما الدول الأوروبية، ورغم أنها لا تعتمد مباشرة على نفط الخليج بنفس درجة آسيا، فإنها تتأثر بشكل غير مباشر عبر الأسعار العالمية للطاقة. فارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي إلى زيادة تكاليف توليد الكهرباء، وصناعة البتروكيماويات، والنقل الصناعي، وهو ما يفاقم الضغوط التضخمية التي تعاني منها أوروبا بالفعل.
وتجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى التدخل عبر الدعم أو تخفيف الأعباء عن المستهلكين، ما يضع ضغوطًا إضافية على الموازنات العامة.
الاقتصادات الناشئة منخفضة الدخل
تُعد الدول النامية والاقتصادات منخفضة الدخل الأكثر هشاشة أمام صدمات الطاقة والغذاء الناتجة عن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ففي هذه الدول، تضطر الحكومات إلى توسيع برامج الدعم لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار، وهو ما يضغط بشدة على الموارد المالية المحدودة.
وفي حال تعذر الدعم، يتم تمرير الزيادات السعرية سريعًا إلى المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم الغذائي والطاقي، ويزيد من معدلات الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي.
يعكس تصاعد المخاطر حول مضيق هرمز مدى الترابط بين الأمن الجيوسياسي والاقتصاد العالمي، حيث لا تقتصر الخسائر المحتملة على دولة بعينها، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومستويات المعيشة في مختلف أنحاء العالم، ما يجعل استقرار هذا الممر الحيوي مصلحة دولية مشتركة.