اتفق رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العمل المشترك وبشكل وثيق للحفاظ على استمرارية تشغيل قاعدة دييجو جارسيا العسكرية الواقعة في المحيط الهندي، في خطوة تعكس تقاربًا عمليًا بين لندن وواشنطن، رغم الخلافات السياسية التي أثيرت مؤخرًا حول مستقبل جزر تشاغوس.
وجاء الاتفاق خلال مكالمة هاتفية جمعت رئيس الحكومة البريطانية والرئيس الأمريكي، بحسب بيان رسمي صادر عن مكتب رئاسة الوزراء البريطاني (داونينغ ستريت) في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، حيث ناقش الجانبان الترتيبات الأمنية والسياسية المرتبطة بالقاعدة التي تُعد واحدة من أهم القواعد العسكرية الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.
وأكد البيان أن ستارمر وترامب شددا على أهمية استمرار تشغيل قاعدة دييغو غارسيا، مع الاتفاق على إجراء محادثات إضافية خلال الفترة المقبلة لضمان تنفيذ التفاهمات الأمنية، بما يحفظ المصالح الاستراتيجية للبلدين في منطقة المحيط الهندي.
وتُدار قاعدة دييغو غارسيا بشكل مشترك من قبل القوات الأمريكية والبريطانية، وتُعد مركزًا حيويًا للعمليات العسكرية واللوجستية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهندي، وقد لعبت أدوارًا محورية في عدد من العمليات العسكرية الأمريكية خلال العقود الماضية.
وتقع القاعدة ضمن أرخبيل جزر تشاغوس، الذي كان خاضعًا للإدارة البريطانية منذ الحقبة الاستعمارية، قبل أن يصبح محل نزاع قانوني وسياسي طويل الأمد بين المملكة المتحدة وجمهورية موريشيوس، التي تطالب بالسيادة على الجزر.
وبموجب الاتفاق الذي أبرمته الحكومة البريطانية في مايو/أيار من العام الماضي، وافقت لندن على إعادة السيادة على جزر تشاغوس إلى موريشيوس، في خطوة اعتبرتها الحكومة البريطانية التزامًا بالقانون الدولي وقرارات المحاكم الدولية، إلا أنها احتفظت بحق تشغيل قاعدة دييغو غارسيا العسكرية عبر عقد إيجار طويل الأجل لمدة 99 عامًا.
غير أن هذا الاتفاق أثار انتقادات حادة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتبر أن إعادة الجزر إلى موريشيوس تمثل خطأ استراتيجيًا جسيمًا، قد يؤثر على الأمن القومي الأمريكي.
وكان الرئيس الأمريكي قد كتب في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الشهر الماضي، أن بريطانيا أخطأت عندما قررت التخلي عن جزر تشاغوس، معتبرًا أن القاعدة تشكل أحد أهم الأصول العسكرية الغربية في المنطقة.
وقال ترامب ، إن “تنازل المملكة المتحدة عن أراضٍ بالغة الأهمية هو عمل في غاية الحماقة”، مضيفًا أن هذه الخطوة تمثل سببًا إضافيًا ضمن سلسلة طويلة من الإخفاقات المتعلقة بالأمن القومي.

وربط الرئيس الأمريكي بين قضية تشاغوس ومطالبته السابقة بضم جزيرة غرينلاند، التابعة لـمملكة الدنمارك، معتبرًا أن القوى الغربية يجب أن تحافظ على سيطرتها على المواقع الجيوستراتيجية الحساسة بدلًا من التخلي عنها.
من جانبه، رد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على تصريحات الرئيس الأمريكي، معتبرًا أنها تأتي في سياق محاولة للضغط السياسي، خاصة في ظل رفض عدد من الدول الأوروبية مطالب الولايات المتحدة بشأن غرينلاند.
وأوضح ستارمر أن بلاده حرصت، خلال مفاوضات اتفاق تشاغوس، على ضمان عدم المساس بالأمن القومي البريطاني أو الأمن الجماعي لحلفاء لندن، مؤكدًا أن استمرار تشغيل قاعدة دييغو غارسيا كان شرطًا أساسيًا في أي تسوية مع موريشيوس.
ويرى مراقبون أن الاتصال الهاتفي بين ترامب وستارمر يعكس براغماتية سياسية من الطرفين، إذ فضّل الجانبان التركيز على المصالح الاستراتيجية المشتركة، وعلى رأسها الحفاظ على الوجود العسكري الغربي في المحيط الهندي، بدلًا من تصعيد الخلافات العلنية.
ويؤكد محللون أن الولايات المتحدة، بوصفها القوة العسكرية الأكبر عالميًا، لا يمكنها التفريط في قاعدة دييغو غارسيا، التي تُعد نقطة ارتكاز أساسية لعملياتها في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وبحسب البيان البريطاني، فإن الحكومتين الأمريكية والبريطانية ستواصلان التنسيق الأمني والدبلوماسي خلال الفترة المقبلة، لضمان انتقال سلس لسيادة جزر تشاغوس إلى موريشيوس، دون التأثير على عمل القاعدة العسكرية.
ومن المتوقع أن تشمل المحادثات المقبلة تفاصيل إضافية حول الترتيبات القانونية والأمنية لعقد الإيجار طويل الأمد، إضافة إلى آليات التعاون العسكري بين القوات الأمريكية والبريطانية داخل القاعدة.
وفي ظل التحديات الجيوسياسية المتسارعة، من آسيا إلى الشرق الأوسط، يبدو أن ملف دييغو غارسيا سيظل اختبارًا دقيقًا لقدرة الحلفاء الغربيين على الموازنة بين الالتزامات القانونية الدولية ومتطلبات الأمن القومي.
وبينما تتواصل الانتقادات السياسية والجدل الإعلامي، فإن الاتصال بين ترامب وستارمر يؤكد أن القاعدة العسكرية ستظل خارج دائرة المساومات، باعتبارها أحد أعمدة النفوذ العسكري الغربي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.