دراسات وأبحاث

زيارة أردوغان التاريخية للسعودية.. شراكة إستراتيجية وتوازنات إقليمية متجددة

الأربعاء 04 فبراير 2026 - 12:05 ص
جهاد جميل
الأمصار

وصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى العاصمة السعودية الرياض، يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026، في مستهل جولة دبلوماسية إقليمية محورية هي الأولى له في العام الجديد، والتي ستتلوها مباشرة زيارة إلى مصر.

وهذه الزيارة المزدوجة لا تمثل مجرد بروتوكول دبلوماسي روتيني، بل هي تجسيد عملي لزخم "القرن التركي" وسياسة الانفتاح والشراكة الإقليمية التي تنتهجها أنقرة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة.

وتحمل حقيبة أردوغان ملفات شائكة ومصالح متشابكة، تتراوح بين تعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي الثنائي، والتباحث في قضايا السلام الإقليمي الملحة، وخاصة الأزمة الفلسطينية والملف السوري، وذلك في إطار سعي تركيا لتعزيز موقعها كلاعب مركزي وفاعل مستقل في هندسة التوازنات الجديدة بالشرق الأوسط.

ويرافقه وفد وزاري واقتصادي رفيع المستوى، مما يؤكد الطبيعة الشاملة للزيارة التي تهدف إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى شراكات استثمارية واستراتيجية ملموسة.

أولاً: الأبعاد الاقتصادية.. من التبادل التجاري إلى التكامل الاستراتيجي

يأتي التعاون الاقتصادي على رأس أجندة زيارة الرياض، في خطوة تعكس أولوية "الاقتصاد والدبلوماسية" في السياسة الخارجية التركية الحالية.

دفع التبادل التجاري

يسعى الجانبان إلى تحقيق قفزة كمية في حجم التبادل التجاري، الذي بلغ حوالي 8 مليارات دولار عام 2024، وتجاوزت خلاله الصادرات التركية إلى السعودية حاجز 3 مليارات دولار في 2025.

الهدف الطموح المعلن هو الوصول إلى 30 مليار دولار، وهو رقم يتطلب تفعيل آليات جديدة وتذليل العوائق.

الاستثمارات والمشاريع الكبرى

تُعد "رؤية السعودية 2030" بمشاريعها العملاقة مثل "نيوم" و"القدية" و"البحر الأحمر"، ساحة خصبة للشركات التركية المتخصصة في المقاولات والهندسة والبنى التحتية والتكنولوجيا.

الزيارة تهدف إلى حث القطاع الخاص التركي على اغتنام هذه الفرص، وتعزيز الاستثمارات السعودية المباشرة في تركيا، خاصة في مجالات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.

منتدى الأعمال المشترك

ويشكل منتدى الأعمال التركي السعودي، الذي يعقد على هامش الزيارة، منصة حيوية لربط رجال الأعمال من الجانبين، وتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات تجارية جديدة، مما يعمق الشراكة الاقتصادية على المستوى الخاص ويكمل الجهود الحكومية.

ثانياً: الملفات السياسية والإقليمية الشائكة.. البحث عن أرضية مشتركة

رغم التركيز الاقتصادي، فإن الخلفية السياسية حاضرة بقوة في المباحثات، حيث تتداخل المصالح التركية والسعودية في عدة ملفات إقليمية ساخنة.

القضية الفلسطينية وإعادة إعمار غزة

 يُتوقع أن يحتل ملف غزة والأوضاع الإنسانية المتردية فيها حيزاً كبيراً من النقاش.

وتبحث أنقرة والرياض آليات مشتركة لدعم الشعب الفلسطيني، والضغط من أجل حل سياسي، والإعداد لمبادرات مستقبلية لإعادة إعمار القطاع، حيث يمكن أن تقدم تركيا خبرتها في مجال الإنشاءات والإغاثة.

الملف السوري

مع استمرار الجمود السياسي والأمني في سوريا، تبحث الدولتان سبل التعاون لتجنب تصعيد جديد، ودعم الحل السياسي، والمساعدة في ملفي اللاجئين وإعادة الإعمار، مع وجود نقاط تقارب واختلاف تحتاج إلى تنسيق أدق.

اليمن والسودان: يسعى الطرفان إلى تنسيق المواقف تجاه الأزمتين في اليمن والسودان، والدعوة إلى الحلول السلمية والحوار بين الأطراف، والحد من التدخلات الخارجية التي تزيد من تعقيد المشهدين.

"مجلس السلام" والمبادرات الإقليمية: قد تعيد الزيارة طرح فكرة "مجلس السلام" الإقليمي أو مبادرات تشاورية مشابهة، كإطار تركي سعودي لمعالجة القضايا الإقليمية بعيداً عن الوصاية الخارجية، وتعزيز منطق الحوار والأمن الجماعي الإقليمي.

ثالثاً: التعاون الدفاعي والأمني.. شراكة تتجاوز البيع إلى الإنتاج المشترك

يشكل التعاون في مجال الصناعات الدفاعية ركيزة استراتيجية متقدمة في العلاقات الثنائية.

صفقة "أقنجي" كنموذج: تمثل صفقة الطائرات المسيرة "بيرقدار أقنجي"، الموقعة في 2023، أكبر صفقة تصدير دفاعية تركية على الإطلاق، وأرسَت سابقة بالغة الأهمية تتجاوز مفهوم البائع-المشتري إلى شراكة تقنية تشمل نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.

آفاق جديدة: من المتوقع بحث تعاون أوسع في مجالات الأنظمة الدفاعية الأخرى، مثل المركبات المدرعة، وأنظمة الدفاع الجوي، والذخائر الذكية، والطائرات المقاتلة (مشروع KAAN)، مما يعمق الاعتماد المتبادل ويعزز القدرات العسكرية للطرفين.

تعاون ثلاثي محتمل: تلوح في الأفق فكرة تعاون دفاعي ثلاثي يضم تركيا والسعودية وباكستان، وهو ما يمكن أن يشكل تحالفاً إسلامياً مؤثراً في مجال الصناعات الدفاعية، ويعزز من سيادة هذه الدول في تلبية احتياجاتها الأمنية.

رابعاً: التحليل الاستراتيجي.. نحو معادلة إقليمية جديدة

تأتي هذه الزيارة في سياق تحليلي أوسع نهاية مرحلة القطيعة تؤكد الزيارة أن مرحلة التوتر والتباعد في العلاقات التركية السعودية قد انتهت، لتحل محلها مرحلة جديدة من "الشراكة الواقعية" القائمة على حسابات المصالح الوطنية المتبادلة والرؤى الاقتصادية الطموحة، متجاوزة الخلافات التاريخية والإيديولوجية.

دور تركي إقليمي متجدد تُمثل الجولة (السعودية ثم مصر) محاولة تركية لتعزيز حضورها الإقليمي كقوة وساطة وبناء، وكمحور اقتصادي وتكنولوجي جاذب، بعيداً عن خطابات الاستقطاب، معتمداً على قوتها الناعمة والصُلبة.

الاستقلالية عن القوى الخارجية يعكس التقارب التركي السعودي رغبة مشتركة في صياغة ملفات المنطقة بعيداً عن الهيمنة أو الوصاية الأجنبية، والبحث عن حلول "محلية الصنع" لأزماتها، في إطار نظام عالمي متعدد الأقطاب.

التكامل بين الرؤى يظهر تكامل واضح بين "رؤية السعودية 2030" التنموية الطموحة، و"رؤية القرن التركي" التي تسعى لجعل تركيا قوة إقليمية وعالمية فاعلة، مما يوفر أساساً متيناً لتعاون طويل الأمد.

ومن المتوقع أن تخرج زيارة الرئيس أردوغان إلى الرياض بحزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والطاقة والدفاع.

كما ستعمل على تعزيز التنسيق السياسي في الملفات الإقليمية، وترسيخ مناخ ثقة متين بين القيادتين.

زيارة أردوغان للسعودية هي أكثر من زيارة دولة عادية، إنها إعلان عن تحول استراتيجي في علاقة قطبين إقليميين أساسيين، من التنافس أحياناً إلى الشراكة الشاملة، وهي تؤسس لمرحلة تعاون عملي تقوده المصالح الاقتصادية والاستقرار الأمني، وترسم معاً ملامح نظام إقليمي جديد أكثر استقلالية ومرونة.

نجاح هذه الشراكة سينعكس إيجاباً ليس فقط على البلدين، بل على استقرار وتنمية منطقة الشرق الأوسط بأسرها، ويمهد الطريق لزيارة مصر التي ستكمل هذه الصورة الإقليمية المتكاملة التي تسعى أنقرة لبنائها.