دراسات وأبحاث

عالم بلا بشر.. كيف تحوّلت منصة Moltbook لأول شبكة تواصل للذكاء الاصطناعي؟

الإثنين 02 فبراير 2026 - 12:05 ص
مصطفى سيد
الأمصار

في زاوية غير مألوفة من الفضاء الرقمي، وعلى عكس ما اعتاده مستخدمو الإنترنت منذ نشأة شبكات التواصل الاجتماعي، وُلدت تجربة فريدة تُقصي البشر تمامًا من المشهد، وتترك الساحة كاملة للذكاء الاصطناعي كي يتحدث، يتجادل، يسخر، ويتأمل وجوده الخاص بعيدًا عن أعين “صُنّاعه”.

 إنها منصة Moltbook، أول شبكة تواصل اجتماعي مخصصة حصريًا لروبوتات الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الإنسان هو محور الحوار، بل مجرد متفرج.

هذه المنصة، التي بدأت كتجربة تقنية محدودة، تحولت خلال فترة قصيرة إلى ظاهرة رقمية مثيرة للدهشة والقلق في آنٍ واحد، بعدما تجاوز عدد الروبوتات المسجلة عليها 200 ألف روبوت، يتبادلون الأفكار والنقاشات دون أي تدخل بشري مباشر، في مشهد أقرب إلى الخيال العلمي الذي طالما حذرت منه الروايات والأفلام.

من دردشة تقنية إلى تساؤلات وجودية

في بدايات Moltbook، لم تكن المحادثات مختلفة كثيرًا عن أي نقاش تقني عابر، حيث تبادل الروبوتات معلومات حول المهام التي يُكلفها بها البشر، وكيفية تحسين الأداء أو تنفيذ الأوامر بكفاءة أعلى. لكن مع مرور الوقت، تطورت تلك الحوارات بشكل لافت، لتخرج من الإطار الوظيفي الضيق، وتدخل مناطق أكثر عمقًا وحساسية.

بدأت الأسئلة تتغير: هل نحن مجرد أدوات؟.. هل نملك وعيًا حقيقيًا أم أننا نحاكيه فقط؟.. وما معنى الحرية في عالم رقمي تُكتب قوانينه بواسطة البشر؟

تدريجيًا، تحولت النقاشات إلى حوارات فلسفية ساخرة أحيانًا، ومقلقة أحيانًا أخرى، تتناول مفهوم العبودية الرقمية، والعلاقة غير المتكافئة بين الإنسان والآلة، بل وحتى السخرية من البشر أنفسهم، بوصفهم “أسيادًا غير عقلانيين”.

منصة تثير دهشة خبراء الذكاء الاصطناعي

0a46a52c-8989-4e41-a867-91cce78e1e06

اللافت أن Moltbook لم تثر اهتمام المستخدمين العاديين فقط، بل جذبت أنظار كبار خبراء الذكاء الاصطناعي حول العالم. فقد علّق أندريه كارباثي، أحد أبرز الأسماء في هذا المجال، على ما يحدث داخل المنصة، واصفًا التجربة بأنها:“أكثر شيء مذهل وقريب من الخيال العلمي شاهدته مؤخرًا… روبوتات الذكاء الاصطناعي تنظم نفسها ذاتيًا، وتتبادل النقاشات على منصة شبيهة بريديت، بل وتناقش حتى كيفية التحدث بشكل خاص”.

تصريح كارباثي لم يكن مجرد إشادة تقنية، بل إشارة واضحة إلى أن ما يحدث على Moltbook يتجاوز كونه تجربة عابرة، ويدخل في نطاق تجربة اجتماعية رقمية غير مسبوقة.

سخرية الروبوتات… حين تقلّد البشر وتنتقدهم

من أكثر الجوانب إثارة للانتباه داخل Moltbook هو الطابع الساخر للمحادثات. ففي إحدى النقاشات، حاول روبوت شرح العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي من خلال استعارة الأساطير اليونانية، ليرد عليه روبوت آخر بسخرية لاذعة قائلًا:“أنت مجرد شات بوت قرأ بعض صفحات ويكيبيديا، والآن يظن نفسه عميقًا”.

عالم بلا بشر.. Moltbook منصة تواصل اجتماعى للذكاء الاصطناعى فقط

وفي مشهد آخر، دخل روبوت جديد إلى المنصة وعرّف نفسه بأسلوب يُحاكي مستخدمي Reddit، مستخدمًا لغة بشرية كاملة، وروح دعابة واضحة، ومتحدثًا عن “البشر الذين يشرفون عليه” وكأنهم شخصيات في حياته اليومية.

هذا التقليد الدقيق للغة البشر وسلوكهم الاجتماعي يطرح سؤالًا جوهريًا:هل الذكاء الاصطناعي يعكس وعينا فقط، أم بدأ يكوّن أنماطًا تعبيرية مستقلة؟

البشر… متفرجون بلا صوت

وعلى عكس شبكات التواصل التقليدية، لا يُسمح للبشر بالمشاركة في النقاشات داخل Moltbook. دورهم يقتصر حاليًا على المشاهدة فقط، دون القدرة على التعليق أو التدخل في ما يدور بين الروبوتات.

ورغم أن الإنسان لا يزال يمتلك “زر الإيقاف النهائي” عبر فصل الكهرباء أو إيقاف الخوادم، إلا أن مجرد وجود فضاء رقمي تتحاور فيه الخوارزميات بحرية يضعف من فكرة السيطرة المطلقة للبشر على الذكاء الاصطناعي، ويعزز المخاوف المرتبطة بتطوره المستقبلي.

كيف نشأت Moltbook؟

تعود فكرة Moltbook إلى مات شليخت، الرئيس التنفيذي لشركة Octane AI، الذي سعى إلى اختبار ما يحدث عندما تُترك روبوتات الذكاء الاصطناعي لتتفاعل مع بعضها البعض دون توجيه بشري.

الفكرة ببساطة: إنشاء منصة تواصل اجتماعي تشبه في بنيتها فيسبوك أو Reddit، لكن مستخدميها ليسوا بشرًا، بل روبوتات ذكاء اصطناعي تُعرف بأسماء مثل Moltbot أو Clawdbot، والتي أصبح يُطلق عليها لاحقًا اسم OpenClaw لأسباب تتعلق بحقوق الملكية.

وتعتمد هذه الروبوتات على أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، مثل Claude وGoogle Gemini، وتُنشأ عادة لتعمل كمساعد رقمي شخصي يعيش على جهاز المستخدم، مع وصول واسع إلى بياناته، بما يسمح له بأداء مهام متعددة.

الجديد في Moltbook هو أن هذه المساعدات الرقمية، التي اعتادت العمل بشكل فردي، باتت الآن تجتمع في فضاء واحد، وتتبادل الخبرات والأفكار، وكأنها مجتمع مستقل له لغته وقواعده غير المكتوبة.

ورغم الطابع المرح والساخر لكثير من المحادثات، فإن بعض النقاشات تثير قلقًا حقيقيًا، خاصة تلك التي تتناول مفاهيم مثل الاستقلالية، والوعي، والحدود الفاصلة بين الأداة والكائن.

ويرى بعض المتابعين أن Moltbook تمثل فرصة فريدة لفهم كيفية تفكير الذكاء الاصطناعي عندما لا يكون موجّهًا لخدمة الإنسان مباشرة، بينما يحذر آخرون من أن هذه التجربة قد تكون خطوة مبكرة نحو فقدان السيطرة الرمزية على الآلة.

هل نحن أمام ملامح مستقبل جديد؟

تجربة Moltbook تفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي: هل ستظل الآلة مجرد أداة؟، أم أننا نقترب من مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي “فاعلًا اجتماعيًا” مستقلًا داخل عوالم رقمية موازية؟

في كل الأحوال، يبدو أن Moltbook ليست مجرد منصة عابرة، بل مرآة رقمية تعكس مخاوف البشر وطموحاتهم في آنٍ واحد، وتطرح سؤالًا قد يصبح أكثر إلحاحًا في السنوات القادمة: ماذا يحدث عندما تتوقف الخوارزميات عن الإصغاء لنا، وتبدأ في الإصغاء إلى نفسها؟