دراسات وأبحاث

شباك الصيد تتحول إلى دروع.. حيلة أوكرانية لمواجهة مسيرات روسيا

الأحد 01 فبراير 2026 - 07:07 م
هايدي سيد
الأمصار

في تطور لافت يعكس طبيعة الحروب الحديثة، لجأت أوكرانيا إلى حلول غير تقليدية لمواجهة تصاعد الهجمات الجوية الروسية، بعدما حول الجيش الأوكراني أدوات بسيطة مثل شباك الصيد وشبكات زراعية مهجورة إلى وسائل دفاع فعالة ضد الطائرات الروسية دون طيار، التي باتت تمثل أحد أخطر التهديدات اليومية على الجبهات وخطوط الإمداد.

وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، من بينها شبكة «سي إن إن» الأمريكية، فإن القوات الأوكرانية بدأت منذ عدة أشهر في استخدام شباك كانت مخصصة لحماية محاصيل زهور التوليب في هولندا، إلى جانب شباك صيد قديمة جرى التبرع بها من صيادين أوروبيين، بهدف اعتراض الطائرات الروسية المسيرة، خاصة تلك التي تعتمد على الهجوم الانتحاري المباشر.


«طرق الحياة» تحت حماية الشباك


في مناطق جنوب أوكرانيا، وتحديدًا بين مدينتي خيرسون وميكولايف الأوكرانيتين، انتشرت هذه الشبكات فوق الطرق الحيوية التي يعتمد عليها الجيش الأوكراني في نقل الجنود والمعدات والإمدادات. 

وأطلق العسكريون الأوكرانيون على هذه الطرق اسم «طرق الحياة»، في إشارة إلى دورها الحاسم في استمرار العمليات العسكرية وتفادي العزلة التي تسعى روسيا لفرضها عبر استهداف خطوط الإمداد.

وقال أولكسندر تولوكونيكوف، نائب رئيس الإدارة العسكرية في مقاطعة خيرسون الأوكرانية، إن العمل جارٍ بشكل مكثف لتعزيز عشرات الكيلومترات من الطرق باستخدام أنواع مختلفة من الشباك، بعد اختبارها من حيث المتانة والقدرة على اعتراض الطائرات دون طيار.

وأوضح المسؤول الأوكراني أن هذه الإجراءات، إلى جانب وسائل دفاع أخرى، أسهمت في رفع قدرة الجيش الأوكراني على تحييد نسبة كبيرة من الهجمات الجوية الروسية، مشيرًا إلى أن القوات الأوكرانية أصبحت قادرة على تدمير ما بين 80 و95% من الطائرات المسيرة التي تطلقها روسيا باتجاه التجمعات السكنية والبنية التحتية.


هجمات روسية مكثفة من الجو


وبحسب تصريحات تولوكونيكوف، فإن الجيش الروسي يطلق في المتوسط نحو 2500 طائرة دون طيار أسبوعيًا باتجاه أهداف داخل الأراضي الأوكرانية، في محاولة لإرباك الدفاعات واستنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لكييف.

وتعتمد روسيا بشكل متزايد على المسيرات، لا سيما طائرات FPV والطائرات الانتحارية من طراز Lancet، التي تتميز بتكلفتها المنخفضة مقارنة بالصواريخ التقليدية، وقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد الآليات العسكرية ومراكز الطاقة.


دعم أوروبي واسع النطاق


وتأتي شباك الصيد المستخدمة في هذه المبادرة من عدة دول أوروبية، عبر جهود تطوعية منسقة.

 وتعد مجموعة Life Guardians، التي تتخذ من هولندا مقرًا لها، من أبرز الجهات المشاركة في هذا المشروع.

وقال كلاس بوت، مدير المجموعة الهولندية، إن فريقه نجح في إرسال أكثر من 8000 طن من الشبكات إلى أوكرانيا، وهو ما يمثل قرابة نصف الكميات التي حصل عليها الجيش الأوكراني حتى الآن.

وأوضح بوت أن المبادرة بدأت في الأساس بهدف استخدام الشبكات كوسائل تمويه للقوات الأوكرانية، قبل أن يتبين لاحقًا أن لها إمكانات أكبر في مجال التصدي للطائرات المسيرة، خاصة عند تعليقها على ارتفاعات مدروسة فوق الطرق والمواقع العسكرية.


من التمويه إلى الدفاع الجوي


وأشار مدير Life Guardians إلى أن الطرق بين خيرسون وميكولايف تعد من أخطر المناطق بسبب كثافة الهجمات الروسية، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الطرق أصبح محميًا الآن بالشباك التي تم جمعها وإرسالها من أوروبا.

وتتميز شبكات التوليب المصنوعة من البولي إيثيلين بخفة وزنها وقوتها، حيث تُحاك بطريقة حلزونية تجعلها قادرة على التشابك مع مراوح الطائرات المسيرة، ما يؤدي إلى تعطيلها أو إسقاطها قبل وصولها إلى أهدافها.

في المقابل، تُعد شباك الصيد التقليدية أكثر سماكة ومتانة، ولذلك تُستخدم بشكل أساسي في حماية الدبابات والمدفعية، إضافة إلى الدفاع عن البنية التحتية الكهربائية الأوكرانية، التي تتعرض لهجمات روسية شبه يومية.


مبادرات من السويد والنرويج وبريطانيا


ولم تقتصر المبادرات الأوروبية على هولندا فقط، إذ انضمت مجموعات تطوعية من السويد، من بينها عملية Change، التي جمعت شباك لم يتمكن الصيادون من استخدامها بسبب قيود حصص الصيد الأوروبية، وأرسلت نحو 400 طن منها إلى أوكرانيا.

كما شاركت منظمة Norwegian Volunteer Aid النرويجية بشبكات صيد السلمون، التي غالبًا ما يعاد تدويرها بعد انتهاء موسم الصيد، فيما أدرجت مجموعة Pickups For Peace البريطانية شباك صيد من موانئ إسكتلندية ضمن قوافل الدعم المتجهة إلى أوكرانيا.


تقدير رئاسي أوكراني


وخلال زيارة رسمية إلى فرنسا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، خصص الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقتًا لشكر مجموعة من الصيادين الفرنسيين الذين جمعوا شباكًا قديمة من سفن صيد أعالي البحار.

وأرسلت مجموعة Kernic Solidarités الفرنسية شبكات قوية مصنوعة من شعر الخيل، بطول إجمالي بلغ نحو 280 كيلومترًا، لاستخدامها في حماية الطرق والمواقع العسكرية داخل أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني للصيادين الفرنسيين: «أنتم أصحاب قلوب كبيرة، وربما لا تتخيلون عدد الأرواح التي تم إنقاذها بفضل هذه المبادرة».


فاعلية ضد مسيرات «Lancet»


من جانبه، أكد يوري أندروسينكو، وهو ضابط في اللواء 1020 للصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات بالجيش الأوكراني، أن الشباك نجحت في عدة مناسبات في اعتراض طائرات روسية مسيرة من طراز Lancet.

وأوضح أندروسينكو أن هذه الطائرات قادرة على حمل متفجرات يتراوح وزنها بين 2 و3 كيلوغرامات، وتصل سرعتها أثناء الهجوم إلى نحو 150 كيلومترًا في الساعة، إلا أن الشباك السميكة قادرة على إيقافها عبر تشابك مراوحها أو تفجيرها قبل بلوغ الهدف.


البحث عن مصادر جديدة


ومع تراجع مخزون الشباك الفائضة في بعض الدول الأوروبية مثل هولندا والدنمارك، يسعى القائمون على المبادرة إلى توسيع نطاق البحث عن مصادر جديدة، لضمان استمرار هذا الحل الدفاعي منخفض التكلفة.

وأكد كلاس بوت أن المشروع لا يزال في بدايته، وأن هناك خططًا لتوسيعه ليشمل دولًا أوروبية إضافية، مشددًا على أن جميع الشركاء يتشاركون هدفًا واحدًا يتمثل في دعم أوكرانيا ومساعدتها على الصمود في وجه الهجمات الروسية.