آراء وأقلام

فهد سليمان الشقيران يكتب: «عن التجربة الغربية مع صراع الهويّات»

الأحد 01 فبراير 2026 - 07:39 ص
فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران

ما يلبث أن يعود النقاش بين فينةٍ وأخرى حول حدود النجاح الغربي في تهيئة واستيعاب الهويات المتعددة المحلية؛ بالإضافة إلى تقييم مستوى تقبّله للثقافات الأخرى المهاجرة، هذا فضلاً عن الأديان والعقائد المتنوعة. البعض يطرح نتائج قطعيّة حول هذا الموضوع، ما بين جازمٍ بنجاح الغرب المطلق في تحقيق ذلك، ومن يعتقد وينظّر لفشل الغرب الذريع، ويستغلّ صاحب هذا الرأي النافي صعود اليمين في بعض الدول والخطاب الانعزالي في السياسات والتمييز في القوانين والتشريعات.

وبمناسبة عودة هذا السجال فإنني أشارك القارئ بنظريةٍ لأفضل واحدٍ ممن كتب في هذا الموضوع وهو الفيلسوف تشارلز تايلر، وبين يدي كتاب نفيس للأستاذ سايد مطر بعنوان: «مسائل التعدد والاختلاف في الأنظمة الليبرالية الغربية - مدخل إلى دراسة أعمال تشارلز تايلر»، وبه نعثر على بضع نقاطٍ منها:

أولاً: يقول في فصلٍ بعنوان: «من أصالة المعاني الأخلاقية إلى أحقية التعددية الثقافية» إن الهوية تتكون وتتطور من خلال نوع من التوازن الذي تقيمه هذه الهوية بين المستلزمات العملية (ما يجب فعله أخلاقيّاً)، والتمايزات المنبثقة من الاختلافات الأنثروبولوجية المتأثرة بدورها بالتنوع الثقافي للجماعات التاريخية».

ثانياً: يرى أن «هذه الاختلافات المتعددة تلقى نمواً أنثروبولوجيّاً فريداً ويسعى الفرد بواسطتها إلى تحقيق غاياته الخاصة. وهي غاياتٌ تنبع من أصالة نداءات الطبيعة البشرية وتوجهاتها الفريدة. وهكذا، تمثّل النزعة التعبيرانية السبيل الضروري الذي يمكّن الكائن البشري من التعرف إلى ذاته وتعريفها. ولما كان من الطبيعي أن يحقق الفرد ذاتيته تحقيقاً خاصاً به، عوضاً عن الامتثال التعسفي لأنماط اجتماعية كلية، غدت الهوية مشروعاً فرديّاً متمايزاً. من هنا كان على كل فرد أن يوجد هويته ويطورها». وإن ما يؤكد قوة الثورة التعبيرانية وجاذبيتها، بحسب تايلر، هو خطابها «المركّز على قيمة الاعتراف بالأصالة».

ثالثاً:«على غرار تواصل الجماعة يتواصل الأفراد من خلال شبكة من العلاقات المتبادلة، ذلك أنهم لا يمكن أن ينسلكوا في وحدات منغلقة على ذاتها. فالأفراد والشعوب، بحسب تايلر مدعوون إلى الاعتراف المتبادل، لأن اختلافاتهم الثابتة تتفاعل وتتكامل على حد السواء. وبناء عليه، فإنهم يكوّنون معاً وحدة متكاملة في الإنسانية».

رابعاً: «لا تتكون هوية الفرد تكويناً فردانيّاً منعزلاً. فهي ما فتئت، من حيث أصولها وأصالتها الأنطولوجية، تنمو وتتطور في ظل سياق من التواصل والتفاعل الاجتماعيين. ونشأت من هنا أهمية اللقاء والحوار بين الاختلافات، باعتبار أن تَكوُّن الطبيعة البشرية لا ينحصر في نطاق وحداني انعزالي (مونولوجي) محض على الإطلاق».

ثم يختم بأن تايلر يؤثِر الحديث عن تنوع المنابع الذاتية مستعذباً القول بـ«منابع الأنا». أما ماكينتاير فيطالب بتقليد فريد ينسلك فيه الأفراد اجتماعيّاً وتاريخيّاً، بعدّه يجسّد سلطة عملية ضرورية يخضع لها الجميع. من هنا كان انتقاده اللاذع لنهج ما يسمى جماعتية «التعددية الثقافية». وهو نهج أضعف حتى التلاشي التقليدَ الواحد الجامع للأفراد، الأمر الذي أفضى حتماً إلى نسبية التصورات الثقافية وآدابها.

الخلاصة؛ أن قول تايلر يجعل الحكم الأحادي على التجربة الغربية في استيعاب الهويات المحليّة والمهاجرة فيه تسرّع، من الأفضل فهم كل حقبةٍ على حدة، هذا ينجّينا من التعميم المضلل، على سبيل المثال لا يمكنك أن تقارن الحالة الغربية بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) بالتشريعات التي تلتْها؛ فلكل حقبةٍ ظروفها. وعليه؛ فمن الصعب إطلاق الحكم الناجز على الطريقة الآيديولوجية الشعبوية. فالتجارب الأممية هي جزء من التكوين الداخلي على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والقانونية، لا يمكن اختزال التجربة الغربية في خطابات اليمين التي في معظمها تطلق بغية شدّ العصب الانتخابي واستهداف الفئات الانعزالية الكارهة للهويات الأخرى والمطالبة بطردهم أو على الأقل تحجيم حضورهم في المؤسسات والتضييق عليهم في المجال العام، وهذا من الضروري فهمه ودرْسه قبل إطلاق أي حكمٍ متسرّع.

نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط