أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترشيح كيفين ماكسويل وارش لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلفاً لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته في مايو 2026، في خطوة تعكس توجه الإدارة الأميركية الحالي لتغيير مسار السياسة النقدية واستجابة للضغوط الاقتصادية والسياسية.
ويعد هذا الترشيح عودة لوارش إلى منصب قيادي في البنك المركزي بعد أكثر من 15 عاماً من مغادرته، وهو المرشح الذي سبق أن تجاوزه الرئيس ترمب عام 2017 عند اختيار باول.
ويثير الإعلان تساؤلات واسعة بين الاقتصاديين حول مدى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، خصوصاً في ظل الانحياز الواضح لوارش نحو سياسات ترمب الاقتصادية، والتي تميل إلى خفض أسعار الفائدة وتقليص ميزانية البنك المركزي.

ولد كيفين وارش في 13 أبريل 1970 في ألباني بولاية نيويورك، وحصل على بكالوريوس في السياسات العامة من جامعة ستانفورد عام 1992، ثم أكمل دراسته وحصل على دكتوراه في القانون مع مرتبة الشرف من جامعة هارفارد عام 1995.
بدأ وارش حياته المهنية في وول ستريت، حيث اكتسب خبرة واسعة في الأسواق المالية قبل انتقاله للعمل في البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش.
وفي عام 2006، أصبح أصغر عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وشغل أيضاً عضوية اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة حتى عام 2011، وهو الجهاز المسؤول عن تحديد أسعار الفائدة والسياسات النقدية التي تؤثر مباشرة على الاقتصاد الأميركي والعالمي.
وخلال فترة عمله، لعب وارش دوراً محورياً أثناء الأزمة المالية العالمية 2008، حيث كانت خبرته في الأسواق والبنوك عاملاً مهماً في اتخاذ القرارات الحاسمة لدعم الاقتصاد الأميركي ومنع انهيار النظام المالي.
لطالما قدم وارش المشورة لترمب منذ حملته الرئاسية الأولى، وانتقد سابقاً سياسات الاحتياطي الفيدرالي التقليدية، مؤكدًا أن البنك بحاجة إلى إصلاحات هيكلية لتعزيز فعاليته.
وفي تصريحات عبر منصة "تروث سوشيال"، وصف ترمب وارش بأنه:"واحد من أعظم الشخصيات التي يمكن أن تقود الاحتياطي الفيدرالي، ولن يخيب آمالكم أبداً، فهو يتمتع بخبرة استثنائية ومؤهلات عالية."
ويرى كثيرون أن اختيار وارش يعكس رغبة البيت الأبيض في تحقيق مزيد من التأثير على السياسة النقدية، خاصة في موضوع خفض أسعار الفائدة، وهو الملف الذي لطالما كان محط خلاف بين ترمب ورئيس الاحتياطي الحالي جيروم باول.

لطالما كان وارش مدافعاً عن السيطرة على التضخم، وداعماً لرفع أسعار الفائدة في أوقات الأزمات لضمان استقرار الاقتصاد.
إلا أن تحوله الأخير لدعم خفض الفائدة يأتي استجابة للضغوط السياسية والاقتصادية الحالية، ويشير إلى استعداده لتبني سياسات أكثر مرونة مقارنة بسلفه.
ويرى وارش أن تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي يمكن أن يتيح مزيداً من القدرة على خفض الفائدة بطريقة فعّالة، وهو ما يعكس تحولاً كبيراً في توجهاته الاقتصادية بعد سنوات من الحذر الشديد.
استقلالية البنك المركزي: من المرجح أن يواجه وارش انتقادات واسعة بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، خصوصاً إذا سعى لتطبيق سياسات خفض الفائدة تحت تأثير البيت الأبيض.
التحقيقات القانونية: هناك ملفات مفتوحة تتعلق بشهادات باول أمام الكونغرس ومشروعات ترميم مبانٍ، ما قد يؤدي إلى تأجيل المصادقة على ترشيحه.
توقعات الأسواق المالية: المستثمرون يتوقعون أن يؤدي تولي وارش المنصب إلى ارتفاع منحنى العائد على السندات الأميركية، وارتفاع الدولار، وانخفاض الأصول الخطرة مؤقتاً.
شهدت أسواق المعادن النفيسة، بما فيها الذهب والفضة، تقلبات حادة بعد الإعلان عن ترشيح وارش، حيث سجل الذهب أكبر تراجع منذ الثمانينات، وهوت الفضة بنسبة غير مسبوقة وصلت إلى أكثر من 36%، فيما انخفض النحاس أيضاً عن مستويات قياسية.
وأرجع خبراء إلى أن هذه التقلبات كانت نتيجة تصحيح الأسعار بعد ارتفاعات قياسية في ديسمبر 2025 ويناير 2026، وأن إعلان ترشيح وارش كان مجرد محفز إضافي لتلك الموجة.
وفي الوقت نفسه، يشير محللو بلومبرغ إلى أن الذهب والفضة لم يصلوا بعد إلى مستويات ذروة تاريخية مثل عام 1979، مما يعني أن الأسواق قد تشهد مزیداً من التقلبات خلال الأشهر القادمة.
بعد مغادرته الاحتياطي الفيدرالي، استمر وارش في العمل بالأسواق المالية، حيث شغل عضوية مجالس إدارة عدة شركات كبرى، منها:
شركة كوبانغ منذ أكتوبر 2019
شركة يونايتد بارسل سيرفيس منذ يوليو 2012
مستشار لدى شركة إلكتريك كابيتال منذ أغسطس 2022
كما ينتمي وارش إلى المجلس الاستراتيجي والسياسي للرئيس الأميركي ومجموعة الثلاثين، وهي شبكة نفوذ قوية تضم كبار الاقتصاديين وصانعي السياسات المالية على مستوى العالم.
وارش متزوج من جين لودر، ابنة عائلة لودر المشهورة في عالم مستحضرات التجميل، والتي تعد من أبرز المتبرعين للحملات السياسية الجمهورية، بما في ذلك دعمها للجنة العمل السياسي "MAGA" التابعة لترمب.
وهذه الروابط تعزز من قدرة وارش على المناورة السياسية داخل أروقة السلطة الأميركية، وتسهيل تنفيذ بعض سياساته الاقتصادية في حال توليه المنصب.
ترشيح وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي يحمل عدة تداعيات محتملة على الأسواق العالمية:
الدولار الأميركي: من المتوقع ارتفاع قيمته على المدى القصير نتيجة توقعات المستثمرين لسياسات نقدية أكثر تشدداً مستقبلاً.
الأسواق المالية: قد يشهد المستثمرون تراجع الأصول الخطرة مؤقتاً، فيما يركزون على السندات طويلة الأجل كملاذ آمن.
المعادن النفيسة: توقع استمرار تقلبات حادة في أسعار الذهب والفضة والبلاتين، مع تحركات سعرية قد تكون حادة نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب.
ويعتقد بعض المحللين أن اختيارات وارش قد تؤثر على السياسات النقدية للبنوك المركزية الأخرى، حيث يتابع صناع القرار حول العالم تحركات الاحتياطي الفيدرالي عن كثب لتحديد استراتيجياتهم الاقتصادية.
يشكل ترشيح كيفين وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي نقطة مفصلية في السياسة النقدية الأميركية والعالمية، فهو يجمع بين:
خبرة عميقة في الاحتياطي الفيدرالي وأزمة 2008 المالية.
موقف مرن تجاه أسعار الفائدة وتقليص الميزانية، متوافق مع توجهات ترمب.
شبكة علاقات قوية داخل الأوساط السياسية والمالية الأميركية.
التحدي الأكبر أمام وارش سيكون تحقيق التوازن بين الضغوط السياسية للبقاء قريباً من البيت الأبيض، والحفاظ على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي واستقرار الاقتصاد الأميركي.
كما سيحدد أداؤه في إدارة السياسة النقدية مستقبل الدولار والأسواق العالمية والمعادن النفيسة خلال السنوات القادمة، في وقت يشهد الاقتصاد العالمي تقلبات غير مسبوقة.