دراسات وأبحاث

تغييرغير مسبوق في الجيش الصيني يهز أركان السلطة في بكين.. ما القصة؟

السبت 31 يناير 2026 - 12:59 م
ابراهيم ياسر
الأمصار

أثار اعتقال الجنرال تشانغ يوشيا، النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية في الصين، موجة صدمة غير مسبوقة داخل الأوساط السياسية والعسكرية، وفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول تماسك «جيش التحرير الشعبي» ودرجة ولائه للقيادة السياسية، بعد أكثر من عقد على حملات التطهير التي يقودها الرئيس الصيني شي جينبينغ داخل المؤسسة العسكرية.

هل الجيش الصيني مستعد للحرب؟ | اندبندنت عربية

ووفق تقارير إعلامية غربية، من بينها صحيفة «لوموند» الفرنسية، لم يكن تشانغ مجرد قائد رفيع المستوى، بل كان يُعد فعليًا الرجل العسكري الثاني في البلاد، وصاحب نفوذ واسع وخبرة طويلة، ما جعل سقوطه حدثًا استثنائيًا في المشهد الصيني.

سقوط مدوٍّ في قمة الهرم العسكري

خلال السنوات الثلاث الماضية، فقدت الصين معظم قياداتها العسكرية العليا، فمن بين سبعة أعضاء جرى تعيينهم عام 2022 في اللجنة العسكرية المركزية، لم يبقَ اليوم سوى الرئيس شي جينبينغ نفسه، إضافة إلى مسؤول الانضباط تشانغ شنغمين، الذي تولى تنفيذ عمليات التطهير.

ورغم أن الرأي العام الصيني اعتاد أخبار الإطاحة بالمسؤولين تحت شعار مكافحة الفساد، فإن الإعلان عن توقيف تشانغ يوشيا في 24 يناير (كانون الثاني) شكّل صدمة من العيار الثقيل، واعتُبر أحد أكثر التطورات إثارة للدهشة في السياسة الصينية منذ وصول شي جينبينغ إلى السلطة.

وكان تشانغ يشغل منصبًا يجمع فعليًا بين صلاحيات رئيس الأركان ووزير الدفاع، كما سبقت الإطاحة به موجة اعتقالات شملت، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ثمانية جنرالات كبار، ما دفع مراقبين للتشكيك في قدرة الجيش الصيني على الحفاظ على استقرار قيادته العليا.

جنرال مقرب… وسجل قتالي نادر

ما زاد من حدة الصدمة أن تشانغ يوشيا كان يُنظر إليه باعتباره من المقربين إلى الرئيس شي جينبينغ.

 كما أنه من القلائل بين كبار ضباط الجيش الصيني الذين يمتلكون خبرة قتالية فعلية، إذ شارك في الحرب القصيرة مع فيتنام عام 1979، إلى جانب اشتباكات حدودية لاحقة.

وينتمي تشانغ إلى ما يُعرف بـ«الأمراء الحمر»، وهم أبناء قادة الثورة الشيوعية، إذ كان والده أحد القادة البارزين في جيش ماو تسي تونغ، وهو المسار ذاته الذي ينتمي إليه الرئيس الصيني نفسه.

ووصف مسؤولون أميركيون سابقون الجنرال المقال بأنه ضابط محترف، يتمتع بنظرة واقعية، وقادر على نقل تقييمات صريحة للرئيس، خصوصًا بشأن نقاط ضعف الجيش وكلفة أي مواجهة عسكرية محتملة، لا سيما في ملف تايوان الحساس.

تهم التمرد أم غطاء سياسي؟

الإعلام العسكري الرسمي الصيني اتهم تشانغ يوشيا، ورئيس الأركان المشترك ليو زنلي الذي أُوقف بدوره، بـ«تقويض مبدأ القيادة المطلقة لرئيس اللجنة العسكرية»، في إشارة مباشرة إلى تحدي سلطة شي جينبينغ.

وبررت الافتتاحيات الرسمية هذه الاعتقالات بأنها امتداد لمعركة طويلة ضد الفساد، مؤكدة أن «التحقيقات كلما تعمقت، تكشفت وقائع أخطر». غير أن هذا الخطاب لم ينجح في تبديد الشكوك، بل زاد الغموض حول الدوافع الحقيقية لاستهداف شخصيات كانت حتى وقت قريب في قلب دائرة الثقة.

الصين تحتفل بالذكرى التسعين لتأسيس الجيش بعرض عسكري

تقدم عسكري يقابله خلل بنيوي

تأتي هذه التطهيرات في وقت حققت فيه الصين قفزات كبيرة في قدراتها العسكرية، من تطوير صواريخ فرط صوتية، إلى طائرات شبح، وحاملات طائرات متقدمة. إلا أن هذه الإنجازات التقنية تتزامن مع فضائح فساد متكررة، خصوصًا داخل وحدات حساسة مثل قوات الصواريخ وبرامج التسليح.

وكان تشانغ يوشيا قد ترأس في وقت سابق إدارة تطوير المعدات، وهي من أكثر القطاعات عرضة لشبهات الفساد، ما فتح الباب أمام فرضيات تتعلق بسوء إدارة العقود أو بيع المناصب، رغم غياب أدلة مؤكدة حتى الآن.

تايوان في قلب المعادلة

تتعدد التفسيرات لما يجري داخل الجيش الصيني: هل هي حملة حقيقية ضد فساد متجذر؟ أم صراع ولاءات داخل مؤسسة شديدة الحساسية؟ أم خلافات حول توقيت وجاهزية أي تحرك عسكري محتمل تجاه تايوان، بين من يدعو إلى معالجة الثغرات أولًا، ومن يضغط لبلوغ جاهزية كاملة بحلول 2027؟

المؤكد أن أكثر من 60 قائدًا عسكريًا ومسؤولًا في قطاع الدفاع يخضعون للتحقيق منذ 2023، في حملة تترك آثارًا مباشرة على توازنات القوة داخل الصين. ويبقى السؤال الأبرز: هل تفضي هذه التطهيرات إلى جيش أكثر انضباطًا وولاءً، أم تخلق فراغًا خطيرًا في الخبرة قد ينعكس على أخطر قرارات بكين الاستراتيجية، وفي مقدمتها ملف تايوان؟