لم يكن البحث العلمي يومًا بمعزل عن التطور التكنولوجي، لكن ما يشهده العالم اليوم يمثل نقلة نوعية غير مسبوقة، مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى صميم العملية البحثية.
إعلان شركة «أوبن إيه آي» عن أداة «بريزم» فتح نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية، ليس فقط حول سرعة إنجاز الأبحاث، بل حول إعادة تشكيل طريقة التفكير العلمي نفسها، وكيفية بناء الأسئلة، وتحليل النتائج، وفهم المعرفة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

يرى خبراء أن الفارق الجوهري في أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، وعلى رأسها «بريزم»، يتمثل في انتقالها من مجرد وسيلة لتسريع الوصول إلى المعلومة، إلى شريك فعلي داخل عملية البحث العلمي.
فالأداة لا تكتفي باسترجاع الأوراق العلمية من قواعد البيانات، كما تفعل محركات البحث التقليدية مثل «جوجل سكولار»، بل تدخل في مراحل أكثر عمقًا تشمل فهم السياق البحثي، تلخيص الدراسات، ترشيح الأوراق الأنسب للإجابة عن سؤال محدد، والمساعدة في تطوير الإطار النظري للبحث.
بحسب مختصين، فإن «بريزم» تمثل نقلة نوعية لأنها ترافق الباحث منذ لحظة اختيار فكرة البحث وحتى صياغة النتائج النهائية.
ويؤكد دكتور بلال أسعد، مستشار الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، أن هذه الأداة لا تستبدل العقل البشري، بل تعمل كعنصر داعم يقدّم اقتراحات ذكية، ويفهم السياق البحثي، مع ترك القرار النهائي بالكامل للباحث.
ويضيف أن هذه المشاركة التفاعلية قد تُحدث تغييرًا جذريًا في شكل البحث العلمي خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة مع قدرتها على تقليص الوقت الذي يحتاجه الباحث، لا سيما المبتدئ، للوصول إلى ورقة علمية مناسبة من أيام أو أسابيع إلى ساعات قليلة.

أحد أبرز تأثيرات أدوات الذكاء الاصطناعي البحثي هو تقليص الفجوة المعرفية بين الباحثين في مراحلهم المختلفة.
ففي السابق، كان الباحث المبتدئ يحتاج إلى خبرة طويلة للتعامل مع قواعد البيانات العلمية، واختيار المصادر المناسبة، وبناء أسئلة بحث دقيقة، أما اليوم، فإن أدوات مثل «بريزم» تساعد في تحسين صياغة الأسئلة البحثية، واقتراح فرضيات أكثر دقة، وتوجيه الباحث نحو المسار العلمي الأنسب.
يوضح الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا يقوم بالاكتشاف العلمي بنفسه، لكنه يساعد في حل مشكلات الاكتشاف.
ويشبّه دكتور بلال أسعد هذه المرحلة بدخول الحواسيب العملاقة إلى مجال الإحصاء، حيث أسهمت في حل معادلات عجز العقل البشري عن حلها لعقود طويلة.
وفي السياق نفسه، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحثين في تطوير فرضيات أكثر دقة، وتحسين الأسئلة البحثية، واستكشاف احتمالات علمية قابلة للدراسة.

ورغم أن «أوبن إيه آي» ليست الأولى في مجال أدوات البحث الذكية، حيث سبقتها منصات مثل «بربلكسيتي» التي تعتمد على جلب مصادر علمية موثوقة، فإن ما يميز أدوات «أوبن إيه آي» هو حجم البيانات التي تدربت عليها، وتنوع مصادرها، وقدرتها على الربط والتحليل بعمق أكبر.
هذا التفوق يمنحها قدرة أوسع على الوصول إلى معلومات قد تعجز أدوات أخرى عن توفيرها بنفس الكفاءة.
يرى مراقبون أن دخول أدوات مثل «بريزم» إلى المشهد الأكاديمي لا يعني فقط تسريع البحث العلمي، بل إعادة تعريف مفهوم المعرفة ذاته، وكيفية إنتاجها وتنظيمها.
ومع استمرار التطور، قد يصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في كل بحث علمي، شريطة الحفاظ على الدور المركزي للعقل البشري، وضمان الالتزام بالمعايير الأخلاقية والأكاديمية.