أثار الجدل الذي فجّره وثائقي بثته قناة فرنسية عمومية موجة جديدة من التوتر في العلاقات الفرنسية الجزائرية، بعدما اعتبرته الجزائر مسيئًا لرموزها ومؤسساتها.
وفي قلب هذا الجدل برز اسم السياسية الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال، التي وجدت نفسها في مواجهة انتقادات حادة داخل فرنسا، مقابل ترحيب رسمي وشعبي في الجزائر بمواقفها الداعية إلى الحوار والمصالحة بين البلدين.
زيارة إلى الجزائر ورسائل سياسية واضحة
خلال زيارة استمرت يومين إلى الجزائر، التقت سيغولين رويال بعدد من المسؤولين الجزائريين، على رأسهم الرئيس عبد المجيد تبون.
وأكدت رويال أن زيارتها تهدف إلى تعزيز الحوار بين البلدين، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، بعيدًا عن الخطابات التصعيدية التي غذّت التوتر في المرحلة الأخيرة.
وفي تصريحات للتلفزيون الجزائري العمومي، شددت رويال على أن العلاقات بين فرنسا والجزائر يجب أن تُبنى على الاعتراف بالتاريخ المشترك، بما يحمله من آلام وذكريات مرتبطة بفترة الاستعمار، معتبرة أن المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالحقائق والعمل على ترميم الثقة بين الشعبين.
وثائقي يثير أزمة جديدة
الجدل الأساسي تمحور حول وثائقي بثته القناة الفرنسية العمومية الثانية تحت عنوان يتناول ما وصفه بـ"حرب خفية" بين فرنسا والجزائر.
الوثائقي تناول التوترات السياسية والدبلوماسية بين البلدين، وتطرق إلى قضايا حساسة مثل اتهامات بالتأثير السياسي، وضغوط على منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية، إضافة إلى شهادات لمعارضين جزائريين مقيمين في فرنسا.
سيغولين رويال كشفت أنها تلقت دعوة للمشاركة في البرنامج، لكنها اشترطت الاطلاع على محتواه قبل الظهور. وبعد مشاهدته، قررت رفض المشاركة فيه بشكل نهائي، واعتبرت أن ما قُدم فيه يمثل إهانة واضحة للجزائر، ويحمل توجهًا سياسيًا منحازًا. وأكدت أنها رفضت السماح باستخدام اسمها في عمل إعلامي لا يتوافق مع قناعاتها.
موقف حاد من مضمون البرنامج
اعتبرت رويال أن الوثائقي افتقر لأي مضمون إيجابي يمكن أن يسهم في تهدئة العلاقات بين البلدين، بل على العكس، رأت أنه ساهم في تأجيج الأزمة وتعميق الصور النمطية السلبية. وأشارت إلى أن التقرير تضمّن إساءات مباشرة وغير مباشرة إلى رموز الدولة الجزائرية، كما أساء إلى صورة المنتخبين مزدوجي الجنسية في فرنسا.
وتساءلت رويال بلهجة استنكارية: كيف سيكون موقف فرنسا لو أن قناة جزائرية عمومية بثت برنامجًا مشابهًا يتضمن إساءات بحق الرئيس الفرنسي؟ في إشارة إلى ازدواجية المعايير في التعاطي مع القضايا الحساسة بين البلدين.
مزدوجو الجنسية في قلب العاصفة
من أبرز النقاط التي انتقدتها رويال في الوثائقي تركيزه على التشكيك في ولاء السياسيين الفرنسيين من أصول جزائرية. واعتبرت أن هذا الخطاب يحمل خطرًا كبيرًا، لأنه يفتح الباب أمام إقصاء شريحة واسعة من المواطنين الفرنسيين من الحياة السياسية، لمجرد أصولهم العائلية.
وأكدت أن تواصل القنصليات مع رعاياها أمر طبيعي ومعمول به في كل دول العالم، ولا يمكن اعتباره دليلًا على تدخل سياسي أو تهديد للسيادة. وذهبت إلى أن توقيت بث الوثائقي، قبل الانتخابات البلدية في فرنسا، يعكس وجود أهداف سياسية تسعى للتأثير على الرأي العام واستهداف فئات بعينها.
توتر دبلوماسي متراكم
يأتي هذا الجدل في سياق توتر دبلوماسي أوسع بين الجزائر وباريس، تفجّر منذ اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء في يوليو 2024، وهو القرار الذي اعتبرته الجزائر مساسًا بمواقفها السياسية ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
وقد سبق للجزائر أن استدعت القائم بالأعمال في السفارة الفرنسية لديها، احتجاجًا على ما ورد في الوثائقي، معتبرة أن تورط قناة عمومية فرنسية في بث مثل هذا المحتوى يعكس، بشكل أو بآخر، وجود موافقة رسمية أو تغاضٍ من السلطات الفرنسية.
هجوم واسع داخل فرنسا ضد رويال
في مقابل الترحيب الجزائري بمواقف سيغولين رويال، واجهت السياسية الفرنسية موجة عنيفة من الانتقادات داخل بلادها فور عودتها إلى باريس. فقد تعرضت لهجوم من وسائل إعلام مقربة من اليمين المتطرف، واتُهمت بالخيانة وبالترويج لمصالح الجزائر على حساب المصالح الفرنسية.
بعض الأصوات السياسية ذهبت إلى أبعد من ذلك، ووصفت رويال بأنها "ملحقة إعلامية" للجزائر، في خطاب يعكس حجم الانقسام داخل المشهد السياسي الفرنسي بشأن طبيعة العلاقة مع الجزائر. كما تعرضت لإهانات شخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول حدود حرية التعبير والخطاب السياسي المقبول في فرنسا.
انقسام فرنسي حول التقارب مع الجزائر
الهجوم الذي تعرضت له رويال لم يكن حالة معزولة، بل يعكس توجّهًا أوسع داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية الرافضة لأي تقارب مع الجزائر. فقد سبق أن تعرضت شخصيات فرنسية أخرى لانتقادات مشابهة عقب زيارات رسمية إلى الجزائر أو دعوات للحوار، ما يكشف عن وجود تيار قوي يرفض المصالحة ويغذي خطاب الصدام.
ويرى مراقبون أن هذا الانقسام الداخلي في فرنسا يعقّد فرص تحسين العلاقات الثنائية، ويجعل أي مبادرة للحوار عرضة للتشويه والهجوم السياسي.
العلاقات الفرنسية الجزائرية أمام اختبار صعب
في ظل هذه التطورات، تبدو العلاقات بين باريس والجزائر أمام اختبار حقيقي. فبين دعوات للحوار والمصالحة تقودها شخصيات مثل سيغولين رويال، وبين خطاب تصعيدي يغذيه جزء من الإعلام والسياسة في فرنسا، يبقى مستقبل العلاقة بين البلدين رهينًا بإرادة سياسية حقيقية لتجاوز إرث الماضي وإدارة الخلافات بروح المسؤولية.
ويجمع كثير من المراقبين على أن أي مسار نحو تهدئة مستدامة يتطلب شجاعة سياسية من الطرفين، والابتعاد عن توظيف الملفات الحساسة في الصراعات الداخلية، سواء في فرنسا أو الجزائر.