دراسات وأبحاث

الصبر الاستراتيجي.. كيف تواجه الصين سياسات ترامب الخارجية؟

الأربعاء 28 يناير 2026 - 03:41 م
هايدي سيد
الأمصار

منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، دخلت العلاقات الدولية مرحلة جديدة من الترقب والحذر، خصوصًا في ظل النهج غير التقليدي الذي يتبعه الرئيس الأمريكي في إدارة ملفات السياسة الخارجية.

 وبينما تتركز الأنظار على ردود أفعال القوى الكبرى، برز الموقف الصيني بوصفه الأكثر اتزانًا، حيث اختارت بكين تبني ما يُعرف بـ«الصبر الاستراتيجي» بدلًا من الانخراط في مواجهات مباشرة مع واشنطن.


وأثارت سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة، لا سيما تحركاتها تجاه فنزويلا وغرينلاند وإيران، نقاشات واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية حول احتمالات تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، نتيجة تداخل مناطق النفوذ في أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، والقطب الشمالي.


ورغم هذه المخاوف، تشير التحليلات إلى أن القيادة الصينية لا تزال تفضل التهدئة وضبط النفس، وهو ما أكده تقرير لموقع Responsible Statecraft، الذي وصف الاستراتيجية الصينية الحالية بأنها قائمة على الانتظار والمناورة طويلة الأمد بدلًا من التصعيد السريع.


أولويات داخلية صينية


مع مطلع عام 2026، انصب تركيز القيادة في بكين على الملفات الداخلية، وعلى رأسها ضمان انطلاقة قوية لـالخطة الخمسية الخامسة عشرة، إلى جانب مواصلة حملة مكافحة الفساد، خاصة داخل المؤسسة العسكرية الصينية.


وكشفت التحقيقات التي طالت أعضاء بارزين في اللجنة العسكرية المركزية الصينية أن الشأن الداخلي يحتل أولوية قصوى لدى الرئيس الصيني شي جين بينغ، وهو ما يقلل من فرص انخراط الصين في أزمات دولية بعيدة عن محيطها الجغرافي المباشر.


قضايا الأمن القومي أولوية


وتتعامل الصين بحزم واضح عندما يتعلق الأمر بقضايا تعتبرها جوهرية لأمنها القومي، مثل ملف تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث لا تتردد في استخدام أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية لحماية ما تراه خطوطًا حمراء.


أما القضايا التي تقع خارج نطاق آسيا والمحيط الإقليمي المباشر، فتتسم السياسة الصينية تجاهها بمزيد من التحفظ، إذ ترى بكين أن الانخراط المكلف في أزمات مثل إيران أو فنزويلا لا يحقق مكاسب استراتيجية كافية.


وعلى الرغم من الشراكات التي تربط الصين بكل من الحكومة الفنزويلية والحكومة الإيرانية، فإن هذه العلاقات لا تعني استعداد بكين لتحمل كلفة سياسية أو عسكرية مرتفعة دفاعًا عنهما، خاصة في ظل تشابك المصالح الدولية وتعقيد موازين القوى.


فتور العلاقات مع فنزويلا


وتشير تقارير اقتصادية إلى أن العلاقات التجارية بين الصين وفنزويلا شهدت فتورًا ملحوظًا حتى قبل الإجراءات الأمريكية التي طالت الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وهو ما أضعف الحوافز الصينية للتدخل الفعلي في هذا الملف.


كما أن بكين تفضل تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن في مناطق تعتبرها الولايات المتحدة مجال نفوذ تقليدي لها، خصوصًا في أمريكا اللاتينية.


هدنة بوسان وتأثيرها


وساهمت الهدنة غير المعلنة التي نتجت عن القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية العام الماضي، في تعزيز خيار التهدئة، حيث خففت من احتمالات اتخاذ الصين خطوات تصعيدية في ملفات لا تندرج ضمن الأجندة الثنائية المباشرة بين البلدين.


ويرى محللون أن هذه الهدنة منحت بكين هامشًا أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها، بعيدًا عن الضغوط السياسية والعسكرية المباشرة.


استثمار التوترات الغربية


في المقابل، تنظر الصين إلى التوترات القائمة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين بوصفها فرصة استراتيجية. فمع انشغال واشنطن بعدة أزمات في آن واحد، تسعى بكين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي مع دول أخرى.


وحققت الصين تقدمًا ملحوظًا في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، خاصة في ملف السيارات الكهربائية، مستفيدة من الخلافات عبر الأطلسي التي تفجرت على خلفية أزمة غرينلاند.


كما عززت بكين تعاونها الاقتصادي مع دول مثل كوريا الجنوبية وكندا، في خطوة تهدف إلى تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.


الاكتفاء الذاتي والاقتصاد المحلي


وبالتوازي مع تحركاتها الخارجية، تواصل الحكومة الصينية تنفيذ سياسات تستهدف تعزيز الاستهلاك المحلي وتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، في إطار استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة أي ضغوط أو عقوبات محتملة من جانب الولايات المتحدة.


التعايش السلمي وعدم التدخل


ويُعد التزام الصين بمبادئ «التعايش السلمي الخمسة» أحد الركائز الأساسية التي تفسر نهجها المتحفظ. فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، شكل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول حجر الزاوية في السياسة الخارجية الصينية.


ويحد هذا المبدأ من قدرة بكين على استخدام أدوات عسكرية أو سياسية مباشرة في الأزمات الداخلية للدول الأخرى، حتى لو كانت هذه الدول شريكة لها اقتصاديًا أو سياسيًا.


وبناءً على ذلك، تفضل الصين انتظار استقرار الأوضاع ثم الانخراط في مرحلة ما بعد الأزمة، بدلًا من التدخل المباشر أثناء ذروة الصراع.


أدوات ضغط محدودة


ورغم تحفظها، لا تتردد الصين في استخدام أدوات ضغط اقتصادية وإعلامية عندما يتعلق الأمر بمصالحها الحيوية، كما حدث في علاقاتها مع الحكومة اليابانية على خلفية ملف تايوان، حيث فرضت قيودًا تجارية وأصدرت تحذيرات سفر وأطلقت حملات إعلامية مكثفة.


غير أن هذه الأدوات تُستخدم غالبًا في سياق العلاقات الثنائية المباشرة، وليس في أزمات تخص دولًا ثالثة بعيدة عن نطاق النفوذ الصيني الحيوي.


حدود الدور العالمي


وعلى الرغم من قوتها الاقتصادية وتطور ما يُعرف بـ«تكتيكات المنطقة الرمادية»، فإن الصين لا تمتلك حتى الآن تكافؤًا عسكريًا كاملًا مع الولايات المتحدة يتيح لها لعب دور «شرطي العالم».


ولذلك، لا ترغب بكين في تحمل أعباء أمنية عالمية واسعة، في وقت تركز فيه على استقرارها الداخلي وتعزيز نفوذها الاقتصادي.


اختبار المستقبل


لكن محللين يحذرون من أن استمرار تآكل النظام الدولي وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى قد يضع الصين أمام اختبارات صعبة في المستقبل، وربما يدفعها إلى إعادة تقييم مستوى ضبط النفس الذي تمارسه حاليًا.


وفي حال قررت الولايات المتحدة تحويل تركيزها الاستراتيجي إلى آسيا، سواء عبر تصعيد التوتر مع اليابان أو التدخل المباشر في ملف تايوان، فإن الحسابات الصينية قد تشهد تحولًا جذريًا.
 


في الوقت الراهن، تفضل الصين التمسك بخطاب احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والاعتماد على أدوات القوة الناعمة بدلًا من منطق المواجهة المباشرة. غير أن هذا النهج يظل مشروطًا بتوازنات دقيقة، قد تتغير سريعًا إذا تبدلت أولويات واشنطن أو اشتدت المنافسة في آسيا.