عادت قضية دعم المحروقات إلى صدارة النقاشين الاقتصادي والاجتماعي في جمهورية الجزائر، عقب إقرار زيادات جديدة على أسعار الوقود مع بداية عام 2026، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ نحو خمس سنوات، وأثارت جدلًا واسعًا حول كلفتها الاجتماعية وجدواها الاقتصادية وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطنين.
وشهدت الأسابيع الأولى من السنة الجديدة تصاعدًا في النقاش السياسي والشعبي، بعد تسجيل زيادات تراوحت بين 3 و30 في المئة على أسعار مختلف أنواع المشتقات النفطية، في إجراء لم يكن مدرجًا صراحة ضمن قانون الموازنة الجزائرية لسنة 2026، رغم دخوله حيز التنفيذ بالتزامن مع بدء العمل بالقانون المالي الجديد.
وبحسب المعطيات الرسمية، ارتفع سعر ليتر المازوت من 29.01 دينارًا جزائريًا إلى 31 دينارًا، كما زاد سعر ليتر البنزين من 45.62 دينارًا إلى 47 دينارًا، في حين ارتفع سعر ليتر غاز النفط المسال (LPG)، وهو الوقود الأكثر استعمالًا لدى الفئات محدودة الدخل، من 9 دنانير إلى 12 دينارًا جزائريًا.
وتبرر الحكومة الجزائرية هذه الزيادات بسعيها إلى تقليص فاتورة الدعم وترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الفارق الكبير بين تكلفة الإنتاج الحقيقية وسعر البيع للمستهلك. وتشير بيانات رسمية إلى أن الإعانات غير المباشرة لأسعار المحروقات والكهرباء والغاز بلغت نحو 38.7 مليار دولار خلال عامي 2021 و2022، ما يشكل عبئًا متزايدًا على خزينة الدولة.
ورغم حالة الاستياء الشعبي، لا تزال الجزائر من بين الدول ذات أسعار الوقود الأقل عالميًا، بما في ذلك مقارنة بعدد من الدول المنتجة للنفط. ويعكس ذلك الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية، التي تعتمد سياسة دعم واسعة منذ الاستقلال، إذ قدّرت التحويلات الاجتماعية في قانون الموازنة لسنة 2026 بنحو 5.9 تريليون دينار جزائري، أي ما يعادل نحو 46 مليار دولار، تمثل حوالي ثلث حجم الموازنة العامة.

ويكشف الفارق السعري الكبير بين الجزائر ودول الجوار حجم الدعم الحقيقي، إذ يبلغ سعر البنزين عالميًا نحو 1.28 دولار لليتر، بينما يباع محليًا بما يعادل أقل من ربع هذا السعر. كما تباع قارورة غاز البوتان في الجزائر بنحو 220 دينارًا، رغم أن تكلفتها الفعلية تتجاوز ألف دينار، وفق تقديرات رسمية، ما يعني أن المواطن يتحمل فقط 20 في المئة من قيمتها الحقيقية.
هذا التفاوت السعري ساهم، بحسب خبراء اقتصاديين جزائريين، في تفشي ظاهرة تهريب الوقود نحو تونس شرقًا والمغرب غربًا ومالي جنوبًا، حيث يصل سعر الوقود في بعض المناطق إلى أربعة أضعاف سعره داخل الجزائر، ما يؤدي إلى استنزاف الموارد المدعومة.
ويرى مراقبون أن رفع أسعار المحروقات يمثل مدخلًا لإصلاح أوسع لسياسة الدعم، بدأ فعليًا منذ عام 2016 عبر رفع الضرائب على الوقود والكهرباء، وتواصل عام 2020 مع زيادات ضريبية إضافية، بهدف تقليص العجز التجاري والحفاظ على الموارد الطاقوية.
لكن اقتصاديين جزائريين حذروا من أن أي إصلاح للدعم لا يواكبه تحسن ملموس في الأجور، سيؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية وزيادة الضغوط التضخمية. وقال الدكتور بوشيخي بوحوص، أستاذ الاقتصاد في جامعة مستغانم الجزائرية، إن تسعير الطاقة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مستوى الأجور، مشيرًا إلى الفارق الكبير بين القدرة الشرائية في الجزائر ودول أخرى.
من جانبه، اعتبر الدكتور سليمان ناصر، أستاذ الاقتصاد بجامعة ورقلة الجزائرية، أن توقيت الزيادات يطرح تساؤلات، خاصة بعد تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، رئيس الجمهورية الجزائرية، بشأن الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وتتزايد المخاوف من أن تؤدي زيادات أسعار الوقود إلى موجة غلاء تمس السلع والخدمات، في ظل ارتباط تكلفة النقل والإنتاج بأسعار الطاقة، وهو ما قد يعيد التضخم إلى الواجهة، رغم تسجيل تراجعه إلى 3.64 في المئة منتصف عام 2025.
وبين متطلبات الإصلاح المالي والحفاظ على العدالة الاجتماعية، يبقى ملف دعم المحروقات أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الاقتصادي الجزائري.