عاد ملف استئناف الملاحة النهرية بين مصر والسودان إلى الواجهة بقوة، بعد إعلان سوداني رسمي عن قرب الانتهاء من الترتيبات الفنية واللوجيستية بميناء وادي حلفا، إيذانًا بعودة حركة النقل النهري بين البلدين بعد توقف دام نحو ست سنوات.
خطوة اعتبرها خبراء «استراتيجية» لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، لكنها في الوقت ذاته «لا تخلو من تحديات» تتعلق بالبنية التحتية والظروف التشغيلية.
هيئة وادي النيل للملاحة النهرية في السودان أعلنت أن معظم الاستعدادات اللازمة لاستئناف الحركة قد اكتملت، مشيرة إلى أن الهدف لا يقتصر فقط على إعادة تشغيل خط نقل متوقف، بل يمتد إلى إحياء شريان تاريخي يربط الشعبين على ضفتي النيل منذ عقود.
وأكد المدير العام للهيئة محمد آدم أبكر أن الترتيبات الفنية والأمنية واللوجيستية أوشكت على الانتهاء، وأن الميناء أصبح قريبًا من الجاهزية الكاملة لاستقبال الرحلات المنتظمة لنقل الركاب والبضائع، في إطار تنسيق مباشر مع الجانب المصري.
وتأتي هذه التطورات بعد توقف الملاحة النهرية منذ عام 2019، نتيجة التدهور الأمني والسياسي الذي شهدته السودان خلال السنوات الماضية، وهو ما انعكس سلبًا على حركة التجارة والتنقل بين البلدين.
على الجانب المصري، لم تتوقف الجهود الرامية لإعادة تشغيل هذا المسار الحيوي.
فقد أعلنت وزارة النقل المصرية في وقت سابق عن توقيع بروتوكول تعاون مع هيئة وادي النيل للملاحة النهرية وسلطة الملاحة السودانية لتطوير الرصيف النهري بميناء وادي حلفا، بقيمة تعاقدية تقترب من 300 مليون جنيه.
كما شمل التعاون أعمال صيانة وتحديث المساعدات الملاحية على طول نحو 350 كيلومترًا بين أسوان ووادي حلفا، بهدف تسهيل حركة السفن وضمان أعلى مستويات الأمان الملاحي، سواء لنقل الركاب أو البضائع.
هذه الخطوات تعكس، بحسب متخصصين، رؤية مصرية أوسع لتعظيم دور النقل النهري كوسيلة اقتصادية وآمنة ومستدامة، مقارنة بالنقل البري الذي يعاني من ارتفاع التكلفة والضغط على البنية التحتية.
يرى خبراء الاقتصاد أن استئناف الملاحة النهرية لا يمثل مجرد مشروع نقل، بل يعد مدخلًا لتعزيز التكامل الاقتصادي بين القاهرة والخرطوم. أستاذ الاقتصاد والنقل الدولي الدكتور محمد محمود يؤكد أن فتح هذا المسار سيسهم في زيادة حركة الصادرات المصرية إلى السودان، ما يعني تدفقات أكبر من العملة الصعبة، إلى جانب تسهيل دخول المنتجات السودانية إلى السوق المصرية.
كما يشير إلى أن النقل النهري قد يلعب دورًا محوريًا في مرحلة إعادة إعمار السودان مستقبلًا، من خلال تسهيل انتقال العمالة والمعدات ومواد البناء، خاصة أن تكلفة النقل عبر النهر أقل بكثير من نظيرتها عبر الطرق البرية أو النقل الجوي.
ورغم التفاؤل الواسع بالمشروع، لا يخفي الخبراء وجود تحديات حقيقية قد تعيق نجاحه الكامل. الباحث السوداني محمد تورشين يرى أن أبرز هذه التحديات يتمثل في ضعف البنية التحتية للنقل النهري داخل السودان، نتيجة سنوات طويلة من الإهمال وقلة الاستثمارات.
ويضيف أن تطوير الموانئ النهرية وحده لا يكفي، بل يجب أن يصاحبه تأهيل للكوادر البشرية العاملة في هذا القطاع، سواء في مجالات التشغيل أو السلامة أو الإدارة اللوجيستية. لكنه في الوقت ذاته يعتبر أن هذه العقبة يمكن تجاوزها من خلال التعاون مع الجانب المصري، الذي يمتلك خبرات واسعة في هذا المجال.
من بين القضايا التي أُثيرت مؤخرًا أيضًا، مخاوف بعض المستثمرين في قطاع النقل النهري السوداني من تأثير القيود المفروضة على تأشيرات دخول السودانيين إلى مصر، على حجم الإقبال المتوقع على الرحلات النهرية بعد استئنافها.
وطالب هؤلاء المستثمرون وزارة النقل السودانية بتوضيح الإجراءات المتخذة لمعالجة هذه الإشكالية، مؤكدين أن نجاح المشروع يعتمد ليس فقط على الجاهزية الفنية، بل أيضًا على تيسير حركة المواطنين بين البلدين.
في المقابل، ألمحت تصريحات رسمية سودانية إلى أن عودة الملاحة قد تسهم في إيجاد حلول عملية لهذه المشكلة، من خلال التنسيق المباشر بين الجهات المعنية في القاهرة والخرطوم.
لا تقتصر فوائد استئناف الملاحة على الحكومتين فقط، بل تمتد بشكل مباشر إلى المجتمعات المحلية، خاصة في مدن مثل أسوان ووادي حلفا.
فهذه المناطق مرشحة للاستفادة من زيادة الحركة التجارية والسياحية، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات النقل والخدمات والتجارة.
ويرى مراقبون أن المشروع قد يسهم أيضًا في تخفيف الضغط على وسائل النقل البري والجوي، ويمنح المواطنين خيارًا أكثر أمانًا وأقل تكلفة للتنقل بين البلدين.
في المجمل، يُنظر إلى استئناف الملاحة النهرية بين مصر والسودان بوصفه خطوة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية، تعكس رغبة متبادلة في تعزيز التعاون وإعادة بناء جسور التواصل بين الشعبين.
لكن نجاح هذه الخطوة، بحسب خبراء، سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز التحديات المرتبطة بالبنية التحتية، وتوفير بيئة تشغيل مستقرة، وتبني سياسات مرنة تسهّل حركة الأفراد والبضائع، بما يحوّل هذا المشروع من مجرد إعلان «وشيك» إلى واقع مستدام يخدم مصالح البلدين على المدى الطويل.