تواصل الصين تعزيز قدراتها العسكرية البحرية في مواجهة الولايات المتحدة، ضمن استراتيجية تهدف لبناء جيش عالمي المستوى بحلول عام 2049، وتشكل حاملة الطائرات الثالثة من طراز «003» المعروفة بـ«فوجيان» حجر الزاوية في هذا الطموح.
دخلت «فوجيان» الخدمة في نوفمبر 2025، لتكون أول حاملة صممت بالكامل محليًا، وأكبر سفينة حربية تعمل بالطاقة التقليدية في العالم بإزاحة تتجاوز 80 ألف طن. ومع ذلك، تواجه الصين تحديات تقنية وعملية تقلل من كفاءة الحاملة مقارنة بحاملات الطائرات الأمريكية الحديثة.
أثارت «فوجيان» إعجاب المراقبين العسكريين حول العالم، خاصة بفضل اعتمادها على منجنيقات كهرومغناطيسية لأول مرة في حاملة صينية، مما يسمح بإقلاع الطائرات بشكل أسرع وأقل اعتمادًا على طاقة الوقود التقليدية.
ومع ذلك، كشف خبراء عسكريون صينيون ومواقع تحليلية مثل «ناشيونال إنترست» و«ساوث تشاينا مورنينج بوست» عن عيوب تصميمية:
نقص المنجنيقات: تحتوي الحاملة على منجنيقين فقط، مقارنة بثلاثة على حاملات الطائرات الأمريكية من فئة «فورد»، مما يحد من سرعة وكثافة العمليات الجوية.
البنية الفوقية: تم وضعها بالقرب من منتصف سطح الطيران، ما تسبب في اختناقات أثناء إدارة الطيران والعمليات البحرية.
تغييرات التصميم المتأخرة: التحول من المنجنيقات البخارية إلى الكهرومغناطيسية، مع استخدام مسارات أطول، خلق تحديات تشغيلية إضافية.
تُظهر هذه التحديات أن «فوجيان» قد تعمل بكفاءة تصل إلى نحو 60% فقط من حاملات الطائرات الأمريكية من فئة «نيميتز» في حالات الحرب عالية الكثافة.

رغم التحديات، تتميز «فوجيان» بعدة مزايا استراتيجية:
تشغيل نطاق واسع من الطائرات: من الطائرات المسيرة الصغيرة إلى المقاتلات المأهولة من الجيل الخامس وطائرات الاستطلاع الثقيلة.
أول حاملة صممت محليًا بالكامل: استفادت من تجارب حاملات «لياونينغ» و«شاندونغ» لتطوير تصميم أكثر تطورًا.
منجنيقات كهرومغناطيسية حديثة: خطوة نحو تقنيات إطلاق أسرع وأكثر كفاءة مقارنة بالحاملات السابقة.
وتمثل هذه القدرات محاولة واضحة لتقليص الفجوة بين الصين والولايات المتحدة في مجال الطيران البحري الاستراتيجي، لكنها ما زالت غير كافية لتحقيق التفوق الكامل.
تشير التقديرات إلى أن الحاملة الرابعة للصين ستعتمد على الطاقة النووية، وستكون مجهزة بـ أربعة منجنيقات كهرومغناطيسية، ما سيجعلها أكبر وأكثر كفاءة من حاملات الطائرات الأمريكية.
ويتيح الانتقال إلى الطاقة النووية قدرة تشغيلية أكبر واستقلالية استراتيجية، خاصة مع محدودية حاملات الطائرات النووية عالميًا التي تقتصر على الولايات المتحدة وفرنسا حاليًا.
كما قد يسمح هذا التطوير بتشغيل طائرات أثقل وأكثر تقدماً، بما في ذلك طائرات الاستطلاع الحديثة والمقاتلات التكتيكية المتطورة.
تأتي هذه التطورات وسط تصاعد التوتر بين الصين وأمريكا، خاصة فيما يتعلق بتايوان. وقد كشفت مؤسسة «التراث» الأمريكية عن تقرير نقحته لتجنب إفشاء معلومات استراتيجية للصين، يظهر نقاط القوة والضعف لكلا الطرفين في سيناريو صراع محتمل:
نقاط ضعف الصين: الاعتماد على النفط المستورد، وتعقيدات لوجستية قد تعوق عمليات الأسطول البحري.
نقاط ضعف الولايات المتحدة: إرهاق أسطول ناقلات النفط، ونقص مخزون الذخائر الدقيقة.
وحذر التقرير من أن أي مواجهة عسكرية في تايوان قد تؤدي إلى خسائر اقتصادية عالمية هائلة تصل إلى نحو 10 تريليونات دولار، أي حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
حاملات الطائرات الأمريكية، خاصة فئة «فورد» و«نيميتز»، تمتاز بـ:
ثلاثة منجنيقات لكل حاملة، مقابل اثنين فقط على «فوجيان».
قدرة على العمل بالطاقة النووية، ما يمنحها استقلالية طويلة المدى.
شبكة قيادة وسيطرة متكاملة، تتيح العمليات البحرية والجوية بكفاءة عالية حتى في النزاعات الطويلة.
في المقابل، تمثل «فوجيان» خطوة كبيرة للصين، لكنها لا تزال أقل قدرة على الحرب عالية الكثافة، مما يجعلها بحاجة لمزيد من التطويرات المستقبلية لتقليص الفجوة مع حاملات الطائرات الأمريكية.
ووفق خبراء عسكريين، هناك عدة سيناريوهات محتملة في السنوات القادمة:
تحسين حاملات الطائرات الصينية: إدخال الطاقة النووية وزيادة عدد المنجنيقات، لتصبح الصين منافسًا حقيقيًا للولايات المتحدة في المحيط الهادئ.
تصعيد التوترات حول تايوان: قد تستخدم الصين حاملات الطائرات المتطورة كأداة ضغط عسكري واستراتيجي.
تطوير قدرات الردع الأمريكية: تعزيز أساطيل حاملات الطائرات ونشر أنظمة دفاعية في المنطقة، لضمان التفوق البحري والردع الاستراتيجي.
ويظل السؤال الأكبر حول مدى قدرة «فوجيان» وحاملات الطائرات الصينية الأخرى على تغيير موازين القوى البحرية العالمية في ظل التحديات التقنية والاقتصادية.
تعد «فوجيان» مثالًا على الطموح العسكري الصيني، لكنها تظهر أيضًا المحدودية الحالية في قدرات بكين البحرية مقارنة بالولايات المتحدة.
مع استمرار الصين في الاستثمار في حاملات الطائرات والتقنيات المتقدمة، من المتوقع أن يشهد العالم خلال العقد القادم صراعًا محتملاً على التفوق البحري في المحيط الهادئ، سواء على صعيد القدرة التشغيلية أو التأثير الاستراتيجي، ما يجعل «فوجيان» خطوة محورية في هذا السباق العسكري العالمي.