دراسات وأبحاث

الناتو بلا أمريكا.. هل تستطيع أوروبا حماية نفسها بحال تراجع المظلة الأمريكية؟

الجمعة 23 يناير 2026 - 04:17 م
جهاد جميل
الأمصار

في ظل تصاعد التوترات عبر الأطلسي، تجد القارة الأوروبية نفسها أمام سيناريو غير مسبوق في تاريخها الحديث: احتمال تراجع أو انسحاب الولايات المتحدة من دورها القيادي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو احتمال كان يُعد حتى وقت قريب من المحرمات السياسية، لكنه بات اليوم مطروحًا بقوة على طاولة النقاش الاستراتيجي.

ووفقًا لصحيفة «تليغراف» البريطانية، فإن تصرفات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال العام الأول من ولايته الثانية نقلت هذا السيناريو من خانة الافتراض النظري إلى دائرة الخطر الواقعي، ما دفع العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في مستقبل أمنها الجماعي.

تشققات في جدار الثقة عبر الأطلسي

منذ تأسيس «الناتو» عام 1949، اعتمدت أوروبا بشكل شبه كامل على الضمانة الأمنية الأمريكية، التي شكّلت أساس الاستقرار في القارة بعد الحرب العالمية الثانية. 

غير أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مدى التزام واشنطن بحماية حلفائها.

ولم تقتصر مواقف ترامب على انتقاد ضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي، بل امتدت إلى تهديدات غير مسبوقة باستخدام القوة ضد دولة عضو في الحلف، مثل الدنمارك، على خلفية ملف جزيرة غرينلاند، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة مباشرة لجوهر الثقة التي يقوم عليها التحالف الغربي.

أوروبا أمام اختبار تاريخي

تشير «تليغراف» إلى أن أوروبا تواجه اليوم أزمة وجودية حقيقية، إذ إن أي تقليص للدور الأمريكي سيجبر القارة على تحمل عبء الدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من سبعة عقود.

ومن الناحية النظرية، تمتلك أوروبا مقومات القوة؛ فاقتصادها يتجاوز نظيره الروسي، ويبلغ عدد سكانها نحو 500 مليون نسمة، مقابل 140 مليونًا في روسيا. 

كما تضم الجيوش الأوروبية مجتمعة قرابة مليوني جندي نشط، مقارنة بنحو 1.3 مليون جندي روسي، فضلًا عن تفوق عددي في الطائرات المقاتلة والسفن الحربية.

لكن هذه الأرقام، بحسب الخبراء، تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا.

فجوة القدرات.. المشكلة الحقيقية

رغم الحجم العددي، تبقى القوة الفعلية لـ«الناتو» معتمدة بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة، لا سيما في المجالات الحاسمة مثل:

وفي غياب هذه القدرات، سيكون من الصعب على الجيوش الأوروبية خوض حرب طويلة أو عالية الكثافة، ما يضعف قدرتها على الردع الفعلي.

أزمة الإرادة السياسية

إلى جانب الفجوة العسكرية، تواجه أوروبا أزمة لا تقل خطورة، تتمثل في غياب الإرادة السياسية الموحدة. 

فقد أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن القارة الأوروبية «تُكثر من النقاش حول المستقبل، لكنها تتجنب اتخاذ قرارات حاسمة اليوم»، وهو ما يجعلها قوة مجزأة بدلًا من أن تكون لاعبًا دوليًا مؤثرًا.

ويرى خبراء عسكريون أن كثيرًا من القادة الأوروبيين لا يزالون في حالة إنكار، متمسكين بفكرة أن الدعم الأمريكي سيستمر مهما بلغت الخلافات.

رفي حال اضطرت أوروبا للدفاع عن نفسها، ستواجه ثلاثة أسئلة كبرى:

أولًا: كيف يمكن إعادة تنظيم منظومة الأمن الأوروبي؟
ثانيًا: من سيقود هذا الجهد؟
ثالثًا: ما القدرات العسكرية التي يجب بناؤها؟

وتشير «تليغراف» إلى إمكانية الإبقاء على هيكل «الناتو» نفسه، لكن بقيادة أوروبية، مع الحفاظ على مبدأ الدفاع الجماعي. 

غير أن التحدي الأكبر يتمثل في مسألة القيادة، إذ لعبت الولايات المتحدة دور القائد القادر على فرض الانضباط وحسم الخلافات بين الحلفاء.

قيادة جماعية بدلًا من الزعامة الأمريكية؟

في غياب واشنطن، يصعب على دولة أوروبية واحدة ملء الفراغ، لذلك، يُطرح نموذج «القيادة الجماعية» كحل محتمل، تقوده عدة دول رئيسية، في مقدمتها:

كما تبرز دول أخرى مثل بولندا بإنفاقها الدفاعي المرتفع، وفنلندا والسويد بخبرتهما الدفاعية، إلى جانب أوكرانيا التي باتت تمتلك أحد أكثر الجيوش خبرة في القتال البري الحديث.

الصناعات الدفاعية.. تشتت مكلف

تعاني أوروبا من تشتت كبير في صناعاتها العسكرية، إذ تشغّل نحو 174 نظامًا مختلفًا للأسلحة، مقابل 33 نظامًا فقط لدى الولايات المتحدة. هذا التشتت يؤدي إلى ارتفاع التكاليف، وضعف الكفاءة، وتباطؤ الإنتاج.

ورغم أن الإنفاق العسكري الأوروبي يبدو ضخمًا على الورق، فإنه لا يتحول إلى قوة حقيقية، في ظل ضعف القاعدة الصناعية مقارنة بروسيا، ما يعني أن الجيوش الأوروبية قد لا تصمد سوى أيام أو أسابيع في حرب كبرى قبل نفاد الذخائر.

أخطر التحديات التي تواجه أوروبا يتمثل في الردع النووي. ففي حال انسحاب واشنطن، ستبقى بريطانيا وفرنسا وحدهما بترسانتين نوويتين محدودتين مقارنة بروسيا، ما قد يدفع البلدين إلى توسيع قدراتهما النووية، وربما تطوير أسلحة نووية تكتيكية لتعويض غياب «المظلة الأمريكية».

روسيا تراقب المشهد

يبقى السؤال حول رد الفعل الروسي المحتمل. فبينما يرى بعض الخبراء أن موسكو قد تفضل الانتظار والاستفادة من الانقسامات الأوروبية، يحذر آخرون من احتمال أن تستغل روسيا الفرصة لاختبار تماسك القارة، سواء عبر تهديد دول البلطيق أو زعزعة الاستقرار من الداخل.

في المحصلة، تقف أوروبا أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تتوحد، وتتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها، وتتحول إلى قوة استراتيجية مستقلة، أو تستمر في التردد والانقسام، لتبقى رهينة للتهديدات، وعرضة لفراغ أمني قد يعيد رسم خريطة القارة من جديد.