حوض النيل

مخاوف من تسييس القضاء السوداني وسط محاكمات مدنية

الخميس 22 يناير 2026 - 10:42 م
هايدي سيد
الأمصار

أثارت سلسلة أحكام قضائية في السودان، تراوحت بين الإعدام والسجن لسنوات طويلة، مخاوف واسعة من تسييس منظومة العدالة، بعد أن شملت عشرات المدنيين، في قضايا تقول جهات حقوقية إنها ترتبط بالانتماء الجهوي والإثني والسياسي. 

وتأتي هذه التطورات في ظل انهيار شامل لمؤسسات الدولة بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، ما جعل القضاء السوداني عرضة لضغوط وتدخلات خارجية.
وفي مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية لسلطة الجيش السوداني، تجرى محاكمات غيابية بحق عشرات المدنيين الذين دعوا إلى السلام ووقف الحرب، من بينهم عبد الله حمدوك، رئيس تحالف “صمود”. كما تشمل هذه المحاكمات صحفيين وحقوقيين، في وقت يقبع فيه مئات الناشطين المدنيين في سجون عدة مدن، بتهم مرتبطة بالمطالبة بالحكم المدني ووقف الحرب، وهو ما أثار مخاوف من انهيار منظومة العدالة وتسييسها لصالح جهات سياسية وعسكرية.
وحذرت الأمم المتحدة من أن انهيار أنظمة العدالة في السودان يقوض حماية حقوق المدنيين، ويزيد من مخاطر الانتهاكات في سياق الحرب.
وتشير تقارير صادرة عن “مجموعة محامو الطوارئ” و”مرصد حقوق الإنسان” إلى أن عدد المعتقلين المدنيين في مناطق سيطرة الجيش السوداني يتراوح بين 3 و5 آلاف شخص، بينهم سياسيون وناشطون في لجان المقاومة ومتطوعون في العمل الطبي، إضافة إلى اعتقالات على خلفيات عرقية. وتؤكد هذه التقارير أن العديد من المعتقلين يواجهون اتهامات بالانتماء إلى قوات الدعم السريع أو التعاون معها، رغم أن بعضهم لم يثبت تورطه بأي نشاط مسلح.
 


تقول منظمات حقوقية إن المحاكم الواقعة تحت سيطرة الجيش السوداني سجلت منذ اندلاع الحرب اتهامات بحق نحو 80 شخصًا لأسباب سياسية أو عرقية، بذريعة التعاون مع قوات الدعم السريع. وفي المقابل، تشير بيانات النيابة العامة السودانية إلى وجود أكثر من 15 ألف دعوى قيد التحقيق، ما يعكس اتساع دائرة القضايا المرفوعة في ظل حالة الانقسام السياسي.


وشهدت الأشهر الماضية صدور أربعة أحكام بالإعدام، إضافة إلى أحكام بالسجن المؤبد والسجن لمدد تصل إلى عشر سنوات، وقد نُفذ بعضها بالفعل. كما وثقت تقارير حقوقية توجيه اتهامات جنائية لأكثر من 25 امرأة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، من بينهن قاصرات وشابات تتراوح أعمارهن بين 19 و26 عامًا، بتهمة “التعاون” مع قوات الدعم السريع.


ورغم نفي السلطات العدلية السودانية تسييس هذه القضايا، وتأكيدها أن الإجراءات مستندة إلى القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب، تؤكد جهات حقوقية محلية ودولية أن المحاكمات تخضع لتأثيرات سياسية واضحة، وتتم في ظل نظام عدلي مختل التوازن.


ويقول المستشار القانوني كمال الأمين إن ما يجري يمثل “انتحارًا كاملاً لفكرة القانون”، موضحًا في حديثه لسكاي نيوز عربية أن دخول عناصر مسلحة إلى قاعات المحاكم، ومنع المحامين من الدفاع عن موكليهم، وفرض الميليشيات إرادتها، يضع القضاء في موقع “مسرحية تقدم باسم العدالة”. 

وأضاف أن الانهيار لا يطال المتهمين فقط، بل يشمل القضاة الذين تحولوا إلى “أدوات في يد السلطة” وموظفين يوقعون على قرارات اتخذت في غرف مظلمة بعيدًا عن العدالة.


 والصحفيين والسياسيين والدبلوماسيين والمهنيين أن المحاكمات الجارية في أكثر من أربع مدن تؤكد “استلاب أجهزة الدولة واحتكارها لصالح جهات غير مختصة”، واستخدامها لتحقيق مشروع سياسي عبر الإرهاب وتخويف الخصوم. وأشار البيان إلى دخول عناصر مسلحة إلى قاعات المحاكم، ومنع نشطاء حقوقيين من الحضور، وترهيب القضاة والمحامين، في انتهاك واضح لمبادئ المحاكمة العادلة.


اتهامات بسيطرة الإخوان على أجهزة العدالة
وفي سياق متصل، حذر الخبير القانوني معز حضرة من سيطرة عناصر الإخوان على النيابة العامة السودانية وأجهزة العدالة بعد انقلاب أكتوبر 2025، ما أتاح تنفيذ محاكمات انتقامية ضد الخصوم السياسيين.

 وقال حضرة إن هذا السيناريو يعيد إلى الواجهة نمطًا تاريخيًا منذ استيلاء التنظيم على السلطة عام 1989، عبر توظيف أجهزة العدالة في بلاغات كيدية طالت مئات المدنيين.


وأضاف أن هذه المحاكمات ترسل رسالة واضحة بأن أجهزة العدالة “غير راغبة أو غير قادرة على تحقيق العدالة”، وهو ما يمثل تأكيدًا على تسييس القضاء.

 


وتتجلى مظاهر انهيار العدالة في توجيه اتهامات على أسس سياسية، ومحاكمات حضورية وغيابية بحق أكثر من 60 شخصًا، بينما يتهم قانونيون سلطة الجيش السوداني باستخدام القضاء لتصفية الثورة التي أطاحت بنظام الإخوان في أبريل 2019.


وتصف المحامية والناشطة نفيسة حجر هذه المحاكمات بأنها “انتحار للعدالة وسقوط لاستقلال القضاء”، مؤكدة أن دخول عناصر ملثمة ومسلحة إلى قاعات المحاكم يؤكد أن القضاء بات تابعًا لإرادة قوى تدير المشهد من خلف الستار.


وحذرت لي فونغ، ممثلة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السودان، من خطر جسيم يواجه العدالة المحلية، مشددة على أن الحرب أضعفت سيادة القانون ومؤسسات العدالة، وقوضت آليات حماية المدنيين. وأضافت أن المكتب يوثق “انتهاكات خطيرة” تشمل الإعدام بإجراءات موجزة، والاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري.