دراسات وأبحاث

عام ترامب الثاني.. سلام غير مكتمل وغارات قياسية وتصنيف الإخوان

الثلاثاء 20 يناير 2026 - 12:03 م
هايدي سيد
الأمصار

كانون الثاني 2025، عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، ليبدأ عامًا حافلًا بالأحداث الاستثنائية التي اتسمت بالتحركات المفاجئة والتصريحات المثيرة، إلى جانب قرارات سياسية وأمنية أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وبعد مرور عام على عودته، يبدو أن ترامب نجح في تحقيق جزء من هدفه الأساسي، وهو ترك أثر أكبر من ولايته الأولى. فقد كانت أيامه، تقريبًا، مليئة بالأحداث التي لم يسبق أن شهدها الرأي العام الأمريكي في عهد أي رئيس سابق، بما في ذلك خلال ولايته الأولى.

ورغم أن بعض القرارات كانت تتصدر العناوين بشكل يومي، إلا أن هناك تغييرات مهمة على مستوى السياسة الخارجية والداخلية لم تحظَ بنفس القدر من الاهتمام، لكنها تحمل آثارًا بعيدة المدى.

تجاوزات في مجال السياسة الخارجية
يرى مراقبون أن ترامب تجاوز حدود صلاحيات الرئيس في مجال السياسة الخارجية، وهو أمر لم يكن جديدًا في تاريخ الرؤساء الأمريكيين، لكن ما ميزه هو اتساع نطاق تحركاته وتجاهله أحيانًا للآليات التقليدية التي اعتاد عليها الكونغرس.

ووفق صحيفة "إندبندنت" البريطانية، فإن إدارة ترامب تجاوزت البروتوكولات المعتادة التي تتطلب إطلاع مجموعة من المشرعين، مثل "مجموعة الثمانية"، على عمليات عسكرية أو تحركات خارجية قبل تنفيذها.

وفي هذا السياق، قالت النائبة السابقة عن الحزب الجمهوري، باربرا كومستوك، إن ترامب لم يخطر المجموعة المذكورة قبل تنفيذ عملية في فنزويلا، ما أثار تساؤلات حول مدى احترامه للأطر الدستورية والمعايير التقليدية داخل الإدارة الأمريكية.

ومنذ عودته إلى الرئاسة، أذن ترامب بتنفيذ عمليات عسكرية في مناطق عدة، بينها إيران واليمن وسوريا ونيجيريا، إضافة إلى عمليات داخل فنزويلا، التي أدت إلى القبض على الزعيم السابق نيكولاس مادورو، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية.

كما شنت الإدارة الأمريكية خلال عام واحد غارات جوية متعددة على قوارب يشتبه في نقل مخدرات في منطقة البحر الكاريبي، وهو ما وصفه منتقدون بأنه غير قانوني، بينما اعتبر آخرون أنه جزء من جهود مكافحة الاتجار الدولي بالمخدرات.

كما شهدت فترة ترامب تهديدات غير مسبوقة بضم مناطق جغرافية وتوسيع نطاق النفوذ الأمريكي، من بينها غرينلاند وكندا، ما دفع دولًا عدة إلى استنفار دبلوماسي واسع، في محاولة لتجنب أي تصعيد قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي.


ضربة جوية كل يوم تقريبًا

ولم تكن السياسة الخارجية مقتصرة على التحركات الدبلوماسية أو التهديدات، بل شهدت أيضًا ارتفاعًا في وتيرة العمليات العسكرية. إذ أفادت إحصاءات غير حكومية أن عدد الضربات الجوية التي نفذها الجيش الأمريكي خلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية وصل إلى 672 ضربة جوية، بما في ذلك هجمات بطائرات مسيرة، وهو رقم يقارب إجمالي الضربات التي نفذت خلال ولاية جو بايدن كاملة (2021-2025) والتي بلغت 694 ضربة.

وتعكس هذه الأرقام توجه الإدارة الأمريكية إلى الاعتماد على القوة الجوية بشكل مكثف، ما يعكس أيضًا استراتيجية ترامب في التعامل مع الأزمات الخارجية من خلال الرد السريع والمباشر، بدلًا من الانخراط في صراعات طويلة أو تحركات دبلوماسية مطولة.


مساعي سلام غير مكتملة

في بداية ولايته الثانية، أعلن ترامب عن وعد طموح بإنهاء حرب روسيا على أوكرانيا في غضون يوم واحد. لكن الصراع لا يزال مستمرًا حتى الآن، رغم جهود الوساطة المتكررة التي توسطت فيها الولايات المتحدة، ومساعي ترامب الشخصية لحل الأزمة.

ومع ذلك، يبرز ملف السلام كأحد أهم الملفات التي يروج لها ترامب بشكل متكرر، حيث يصف نفسه بأنه صاحب إنجازات كبيرة في هذا المجال. 

وفي أكثر من مناسبة، قال ترامب إنه أنهى 8 حروب منذ عودته إلى الرئاسة، مؤكداً أنه لا يوجد شخص في التاريخ يستحق جائزة نوبل للسلام أكثر منه.

ومن بين الملفات التي يذكرها ترامب ضمن إنجازاته، الحرب في قطاع غزة، حيث قادت خطة أمريكية إلى وقف لإطلاق النار، مع تنفيذ مراحل لاحقة لضمان عدم عودة الصراع، وفق ما أعلنته إدارة البيت الأبيض.

كما نجحت وساطة ترامب في تهدئة التوتر بين الهند وباكستان قبل أشهر، بعد مواجهة حادة كادت أن تتصاعد إلى صراع مفتوح.

وفي قائمة الحروب التي أعلن ترامب أنه أوقفها، يذكر الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، والتوتر بين صربيا وكوسوفو، إضافة إلى ملف إسرائيل وإيران، ما يؤكد أن ترامب يراهن على قدرته في إعادة ترتيب الأزمات الإقليمية عبر تحركات دبلوماسية سريعة ومباشرة، أحيانًا بدون استراتيجيات طويلة الأمد أو اتفاقات موسعة.

تصنيف الإخوان: خطوة مثيرة للجدل
وفي تطور أثار ضجة كبيرة، قررت إدارة ترامب في الأسبوع الماضي تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، وفرض عقوبات عليها وعلى أعضاء مرتبطين بها.

وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكية اتخاذ إجراءات ضد فروع جماعة الإخوان في البلدان الثلاثة، واعتبرت أنها تشكل خطرًا على الولايات المتحدة ومصالحها.

وبحسب الإعلان الرسمي، صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية الفرع اللبناني للإخوان "منظمة إرهابية أجنبية"، وهو التصنيف الأشد، ما يجعل تقديم الدعم المالي أو المادي له جريمة جنائية وفق القوانين الأمريكية.

كما أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية الفرعين الأردني والمصري ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة خصيصًا"، متهمة إياهما بدعم حركة حماس، ما يعني فرض قيود واسعة على أي تعامل مالي أو تعاون دولي مع تلك الفروع، وفتح الباب أمام إجراءات قانونية ضد أي شخص أو جهة تتعامل معها.

وتعد هذه الخطوة، من منظور سياسي، أحد أهم إنجازات ترامب في ملف الشرق الأوسط، لكنها أيضًا قد تؤدي إلى توترات جديدة في العلاقات مع دول عربية، خصوصًا أن تصنيف فروع جماعة الإخوان في دول مثل مصر والأردن ولبنان يفتح ملفًا حساسًا يتعلق بالسياسة الداخلية لتلك الدول، إضافة إلى التأثير المحتمل على العلاقات الدبلوماسية والتجارية.