في خضمّ مشهد دولي مُثقل بتداعيات الحرب المُدمّرة على «قطاع غزة»، فجّر مقترح الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، بإنشاء ما يُعرف بـ«مجلس السلام» عاصفة سياسية ودبلوماسية واسعة، وسط قلق أوروبي مُتصاعد من أن يتحوّل هذا الكيان المقترح إلى أداة لتجاوز منظومة الشرعية الدولية، وعلى رأسها «الأمم المتحدة»، وإعادة رسم آليات إدارة ما بعد الحرب بمعادلات جديدة تُثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الدور الدولي في القطاع وحدود النفوذ الأمريكي في واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في العالم.
تُقابل هذه الرؤية الأمريكية المقترحة بتحفّظ أوروبي واضح، إذ تخشى عواصم غربية من أن يُفضي إنشاء «مجلس السلام» إلى تقويض الأطر الأُممية القائمة، وفرض وصاية سياسية جديدة على غزة خارج قرارات الشرعية الدولية، في وقت تُشدّد فيه الدول الأوروبية على ضرورة أن تمرّ أي ترتيبات لإعادة الإعمار أو إدارة المرحلة الانتقالية عبر مؤسسات دولية مُعترف بها، وبمشاركة فاعلة من الأطراف الإقليمية، خشية فتح الباب أمام سابقة دولية تُعيد تشكيل قواعد إدارة النزاعات بعيدًا عن منظومة الأمم المتحدة.
ويخضع مقترح، الرئيس ترامب، بإنشاء «مجلس السلام» المُكلّف بالإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة عقب الحرب المُدمّرة، لمراجعة أوروبية دقيقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف الغربية من تحوّله إلى كيان دولي يُنافس «الأمم المتحدة» على دورها التقليدي.
وكشفت وكالة «بلومبرج» تفاصيل وصفتها بـ«المُحيرة» تتعلق بنظام العضوية المقترح، إذ يشترط «ترامب» على الدول الراغبة في الحصول على مقعد دائم في مجلس الإدارة دفع (مليار دولار) مقابل العضوية، وهو شرط أكّده «البيت الأبيض» رسميًا.
بحسب مصادر أوروبية مطلعة، أثار هذا الشرط حالة من «الذهول» بين قادة دول عدة، في ظل تساؤلات حول الجهة التي ستؤول إليها هذه التدفقات المالية الضخمة، لا سيما أن مسودة ميثاق المجلس تمنح «ترامب» وحده سُلطة اتخاذ القرار النهائي في جميع المسائل التمويلية والتنفيذية.
وفيما أعلن الرئيس الأرجنتيني، «خافيير ميلي»، انضمام بلاده كعضو مؤسس، ووصفت المجر الدعوة بالـ«شرف»، أبدى عدد من الحلفاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم «بريطانيا وكندا»، تحفظًا واضحًا على دفع رسوم العضوية، مُعتبرين أن الشروط المطروحة تتطلب مفاوضات مُعقّدة قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن المشاركة.
وبحسب المصادر المطلعة، يسعى «ترامب» لتوقيع الدستور الكامل للجنة واختصاصاتها خلال منتدى «دافوس» الاقتصادي الخميس المُقبل، إلا أن القائمة المقترحة للمدعوين زادت من حدة الاستقطاب، التي تضم أسماء بارزة مثل رئيس الوزراء الكندي «مارك كارني»، والرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، والرئيس الروسي «فلاديمير بوتين».
رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، كان أول المعارضين علنًا لتشكيلة المجلس، وأكّد مكتبه بأن اللجنة الخاصة بغزة التابعة للمجلس لم يتم بالتنسيق مع إسرائيل حول تفاصيلها ويتعارض مع سياستها، وهو ما يُشير، وفقًا للمصادر، إلى «فجوة مُبكرة في الرؤى بين ترامب وأقرب حلفائه».
وصف المسؤولون الأوروبيون، الخطوة التي قام بها الرئيس الأمريكي بدعوة نظيره الروسي بوتين، للانضمام للمجلس بأنها «عبثية» في ظل استمرار الحرب في «أوكرانيا»، مُحذّرين من أن «ترامب يضع أوروبا أمام خيارين»، إما الانصياع لرؤيته الجديدة أو المخاطرة بمزيد من التفكك في التحالف.
وبحسب بلومبرج، يلعب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير»، بصفته عضوًا تنفيذيًا في المجلس، دورًا محوريًا خلف الكواليس لتلطيف الأجواء بالتعاون مع «جاريد كوشنر وستيف ويتكوف»، ومن وجهة نظرهم تكشف تلك التحركات أن المجلس قد يتجاوز مُهمة إعمار غزة ليُصبح أداة «ترامب» الرئيسية لحل النزاعات الدولية بعيدًا عن أروقة مجلس الأمن الذي لطالما انتقده الرئيس الأمريكي ووصفه بـ«الضعف».
وبينما يتواصل الجدل الدولي حول «مجلس ترامب» المقترح، يبقى مستقبل إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة مُعلّقًا بين رؤيتين متصادمتين: إحداهما تسعى لإعادة تشكيل آليات التدخل الدولي خارج الأطر الأممية التقليدية، وأخرى تُصرّ على الحفاظ على دور «الأمم المتحدة» باعتباره الضامن للشرعية والتوازن الدولي. وفي ظلّ تصاعد القلق الأوروبي، تبدو معركة النفوذ والشرعية في غزة مفتوحة على كل الاحتمالات، بانتظار ما ستؤول إليه موازين القوى والضغوط السياسية في واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا على الساحة الدولية.