دراسات وأبحاث

تزامنًا مع زيارة بن زايد.. لمحات في العلاقات الإماراتية الهندية

الإثنين 19 يناير 2026 - 07:21 م
هايدي سيد
الأمصار

تشهد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند خلال السنوات الأخيرة زخمًا سياسيًا ودبلوماسيًا متصاعدًا، تُوِّج بسلسلة من الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، كان أحدثها وصول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى العاصمة الهندية نيودلهي، في زيارة عمل رسمية تعد الثالثة له خلال 16 شهرًا، في مؤشر واضح على متانة الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين.

وتأتي زيارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة في سياق دبلوماسي نشط يعكس حرص قيادتي البلدين على تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وتنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال اللقاءات السابقة بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند.

سياق الزيارة وتوقيت بالغ الدلالة
تكتسب زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أهمية خاصة، كونها تأتي بعد نحو تسعة أشهر من الزيارة الرسمية التي أجراها الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي في دولة الإمارات، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الإماراتي، إلى جمهورية الهند في أبريل/نيسان 2025، والتي شكلت محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية.

كما سبقتها زيارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي في دولة الإمارات، إلى الهند في سبتمبر/أيلول 2024، في إطار تأكيد الحضور الإماراتي المتواصل على الساحة الهندية، وتوسيع آفاق التعاون المشترك مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم.

وجاءت الزيارة أيضًا بعد شهر واحد فقط من زيارة سوبرامانيام جايشانكار، وزير الشؤون الخارجية الهندي، إلى دولة الإمارات في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث ترأس إلى جانب الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، أعمال الدورة السادسة عشرة للجنة المشتركة الإماراتية-الهندية، إلى جانب انعقاد الدورة الخامسة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين في العاصمة أبوظبي.


قمة جديدة في مستهل 2026


ويمثل اللقاء المرتقب بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، وناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند، أول قمة تجمع الزعيمين خلال عام 2026، في وقت تسعى فيه أبوظبي إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية القائمة على الثقة والاحترام المتبادل، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف بما يخدم التنمية المستدامة والاستقرار العالمي.

وبحسب البيانات الرسمية، يبحث الجانبان خلال الزيارة سبل تطوير العلاقات التاريخية، وتعزيز الشراكتين الاستراتيجية والاقتصادية الشاملتين، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتعد هذه الزيارة هي الخامسة التي يجريها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الهند منذ تولي ناريندرا مودي رئاسة الحكومة الهندية عام 2014، فيما أجرى رئيس الوزراء الهندي سبع زيارات رسمية إلى دولة الإمارات خلال الفترة نفسها، من بينها أربع زيارات منذ تولي الشيخ محمد بن زايد رئاسة الدولة في مايو/أيار 2022.

حوار استراتيجي وشراكة اقتصادية
وكانت أبوظبي قد استضافت في 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي أعمال الدورة السادسة عشرة للجنة المشتركة الإماراتية-الهندية، والدورة الخامسة للحوار الاستراتيجي، بمشاركة واسعة من كبار المسؤولين والوزراء من الجانبين، في تأكيد واضح على مستوى التنسيق السياسي المتقدم بين البلدين.

واستعرض الطرفان خلال الاجتماعات التقدم المحرز في تنفيذ اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي دخلت حيز التنفيذ في مايو/أيار 2022، وأسهمت في تحقيق طفرة نوعية في حجم التبادل التجاري، مع السعي المشترك للوصول إلى 100 مليار دولار من التجارة الثنائية خلال السنوات المقبلة.

وأكد الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، في كلمته خلال الاجتماعات، أن العلاقات الإماراتية-الهندية تشهد نموًا متسارعًا، مشيرًا إلى أن اللجنة المشتركة والحوار الاستراتيجي يمثلان منصة فعالة لترجمة توجيهات قيادتي البلدين إلى نتائج عملية تدعم مسيرة الازدهار المشترك.

نتائج زيارات سابقة

وخلال زيارة الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي في دولة الإمارات، إلى الهند عام 2025، جرى توقيع ثماني مذكرات تفاهم شملت قطاعات حيوية، من بينها البنية التحتية، والرعاية الصحية، والتعليم العالي، والخدمات اللوجستية، إلى جانب تعزيز التعاون بين شركات القطاع الخاص في البلدين.

كما شهدت الزيارة الإعلان عن افتتاح المكتب التمثيلي الثاني لغرفة دبي العالمية في الهند بمدينة بنغالور، بعد المكتب الأول في مومباي، في خطوة تهدف إلى دعم التوسع التجاري والاستثماري الإماراتي في السوق الهندية.

أما زيارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي في دولة الإمارات، إلى الهند عام 2024، فقد أسفرت عن توقيع مجموعة من الاتفاقيات والشراكات الاستراتيجية بين مؤسسات من القطاعين العام والخاص في البلدين، بما يتماشى مع أهداف اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة.

جذور تاريخية متينة

وترتكز العلاقات الإماراتية-الهندية على جذور تاريخية تعود إلى ما قبل تأسيس دولة الإمارات عام 1971، حيث تم تدشين العلاقات الدبلوماسية رسميًا عام 1972.

وشهدت هذه العلاقات نقلة نوعية عقب الزيارة التاريخية التي قام بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، إلى الهند عام 1975، والتي أسفرت عن توقيع الاتفاقية الثقافية بين البلدين، تلاها توقيع اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي خلال زيارته الثانية للهند عام 1992.

وتعززت العلاقات بشكل أكبر منذ زيارة ناريندرا مودي إلى دولة الإمارات عام 2015، والتي كانت الأولى لرئيس وزراء هندي منذ أكثر من ثلاثة عقود، لتتوالى بعدها الزيارات المتبادلة التي بلغت 12 زيارة بين قيادتي البلدين، شكلت محطات فارقة في مسار الشراكة الثنائية.


شراكة نحو المستقبل


وتنظر دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جمهورية الهند بوصفها شريكًا استراتيجيًا محوريًا في آسيا، تتقاطع معها في الرؤى المتعلقة بالتنمية المستدامة، والأمن الإقليمي، والتغير المناخي، والسلام العالمي.

كما يدعم البلدان بعضهما البعض في المحافل الدولية، ويعملان على تنسيق المواقف تجاه القضايا الجيوسياسية الكبرى، بما يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أصبحت نموذجًا للتعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة.

وفي ضوء الزيارات المتبادلة المتواصلة، والتوسع في الاتفاقيات الثنائية التي تجاوز عددها 100 اتفاقية ومذكرة تفاهم، تبدو العلاقات الإماراتية-الهندية ماضية بثبات نحو آفاق أكثر اتساعًا، تعكس طموحات قيادتي البلدين، وتلبي تطلعات شعبيهما لمستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.