يجتمع خبراء السياسة الأمريكية على أنّ السنوات الأولى للرؤساء غالبًا ما تكون اختبارًا للوعود الانتخابية أكثر من كونها مرحلة تحولات جذرية.
غير أنّ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية كسرت هذه القاعدة، إذ نجح خلال عامه الأول في إحداث تغييرات عميقة هزّت ما كان يُعرف حتى وقت قريب بـ"ثوابت السياسة الأمريكية"، داخليًا وخارجيًا، وأدخلت واشنطن في مسار جديد لا يشبه ما قبله.
لا يمكن تصنيف دونالد ترامب ضمن الأطر الكلاسيكية التي حكمت سلوك الرؤساء الأمريكيين السابقين، فرغم اقترابه التنظيمي من الحزب الجمهوري، إلا أنّ خياراته وسلوكياته السياسية تضعه خارج الانقسام الحزبي التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين.

ويرى مراقبون أنّ ترامب يمثل "مدرسة خاصة" في إدارة الدولة، مدرسة اتضحت ملامحها بشكل جلي خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، وترتكز على أربعة محاور كبرى: محاربة البيروقراطية، إعادة تعريف الأمن القومي، المواجهة الاقتصادية مع الصين، وإدارة الصراعات الدولية بمنطق الإطفاء أو الإشعال حسب المصلحة.
في ولايته الثانية، بدا ترامب أكثر اندفاعًا وجرأة في مواجهة ما يسميه "الدولة العميقة". ففي يوم تنصيبه، 20 يناير 2025، وقّع أمرًا تنفيذيًا حمل الرقم 14148، ألغى بموجبه 78 قرارًا ومذكرة رئاسية تعود لسلفه جو بايدن. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير تقارير من واشنطن إلى أنّ ترامب ألغى ما بين 90 و92% من قرارات بايدن، خصوصًا تلك الموقعة بـ"القلم الآلي"، بدعوى افتقارها للشرعية القانونية.

وتكشف السجلات الفيدرالية أنّ ترامب أصدر خلال عام واحد أكثر من 225 أمرًا تنفيذيًا، وهو رقم غير مسبوق منذ عهد فرانكلين روزفلت، مقارنة بـ58 أمرًا فقط في السنة الأولى من ولايته الأولى، و77 أمرًا أصدرها بايدن في عامه الأول.
يرى فريق ترامب أنّ هذه الإجراءات تمثل ضربة مباشرة لجذور البيروقراطية الأمريكية. فقد أعاد العمل بـ"الجدول أف"، الذي يسمح بتحويل آلاف الموظفين الحكوميين إلى موظفين سياسيين يسهل عزلهم. كما ألغى الأوامر الداعمة لقضايا الهوية الجندرية في المدارس والجيش، وأصدر تشريعات تعرّف الجنس على أساس بيولوجي فقط. بالتوازي، أعاد إطلاق برامج التنقيب المكثف عن النفط والغاز في الأراضي الفيدرالية والمياه العميقة، في تحدٍّ واضح للتيارات البيئية.

لم تقتصر معركة ترامب على الداخل الأمريكي، بل امتدت إلى النظام الدولي. ففي عامه الأول، وقّع مذكرة رئاسية تقضي بالانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية، من بينها 31 منظمة أممية. وشملت الانسحابات منظمات بارزة مثل اليونيسيف، واليونسكو، والأونروا، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمة الصحة العالمية، إضافة إلى الانسحاب من الاتفاقية الأممية الإطارية بشأن تغير المناخ، بعد الانسحاب السابق من اتفاقية باريس.
وبررت الإدارة الأمريكية هذه الخطوات بأنّ تلك المنظمات تتعارض مع المصالح الوطنية، أو تروج لأجندات العولمة، أو تعاني من سوء الإدارة، في محاولة لإسقاط مفهوم "الدولة العميقة" على المستوى الدولي.
امتدت ارتدادات "الزلزال الترامبي" إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية، من غرينلاند وكندا شمالًا، إلى الكاريبي وأمريكا اللاتينية جنوبًا. وفي خريف 2025، أصدر ترامب عقيدة أمنية جديدة، أعادت إحياء مبدأ مونرو بصيغة أكثر حدّة، فيما سماه مراقبون "مبدأ دونرو"، القائم على تطهير المنطقة من النفوذ الماركسي، والصيني، والروسي.

ترجمت هذه العقيدة إلى إجراءات عملية، تمثلت في فرض رسوم جمركية قاسية على صادرات دول أمريكا اللاتينية، وصلت إلى 100% على صادرات البرازيل. كما أطلق ترامب حربًا مفتوحة على المخدرات، نشر خلالها بوارج وغواصات وطائرات مسيرة في البحر الكاريبي وأجواء القارة.
وفي تطور غير مسبوق، اتهم ترامب قيادات سياسية وعسكرية رفيعة بالتورط في تجارة المخدرات، وأصدر أمرًا باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو ما نُفذ في عملية خاصة أثارت جدلًا عالميًا، ولا تزال تفاصيلها طي الكتمان.
في المقابل، انتهج ترامب سياسة ناعمة مع دول وقادة متحالفين معه، مثل الأرجنتين بقيادة خافيير ميلي، وهندوراس التي وصل إلى رئاستها حليف مقرب من ترامب. ولأول مرة، ربط رئيس أمريكي المساعدات الخارجية صراحة بنتائج الانتخابات، ما اعتبرته أطراف انقلابًا سياسيًا ناعمًا.
تبقى الصين في نظر ترامب العدو الأكبر. وخلال عامه الأول، انتهج تجاهها ثلاث سياسات متوازية: حربًا اقتصادية عبر الرسوم الجمركية، دعم خصوم بكين، والبحث عن بدائل للمعادن النادرة التي تهيمن الصين على سلاسل توريدها. غير أنّ الرد الصيني أربك الشركات التكنولوجية الأمريكية، ما دفع ترامب إلى تعليق بعض الإجراءات، وسط حديث عن تفاهمات غير معلنة لم تتجسد رسميًا بعد.
هكذا، لم يكن العام الأول من ولاية ترامب الثانية عامًا عاديًا، بل مرحلة إعادة تشكيل عميقة للسياسة الأمريكية داخليًا وخارجيًا، مع رئيس لا يعترف بالمسلمات، ولا يتردد في كسر القواعد، واضعًا العالم أمام نسخة أكثر صدامية من الولايات المتحدة.